ذهب طنطا الأحمر.. سوق النحاسين ذاكرة لا تصدأ

سوق النحاسين بطنطا
سوق النحاسين بطنطا


خلف جدران مسجد السيد البدوى العتيقة وبين الأزقة الضيقة التى حفظت خطى آلاف الزائرين عبر عشرات السنين يختبئ عالم آخر لا يعرفه كثيرون، عالم لا تزال فيه المطارق تتحدث، والنار تشهد، والنحاس يلمع، كأنه يرفض الاستسلام لزحف الزمن

هنا فى سوق النحاسين بمدينة طنطا لا يبدو الزمن كما نعرفه، عقارب الساعة تتباطأ، وضجيج المدينة يتراجع لتحل محله سيمفونية قديمة من الطرق المتواصل على النحاس كأنها نبض قلب حيّ لم يتوقف منذ أكثر من مائة عام. 

السوق الذى يُعد الأقدم والأعرق فى منطقة الدلتا ليس مجرد مكان للبيع والشراء، بل ذاكرة مفتوحة لمدينة كاملة، فكل ورشة تخفى عمرًا طويلًا من الكفاح، وكل قطعة نحاسية تحمل بصمات يد صنعتها الذى صقلها بالصبر والحب قبل المطرقة. 

وفى الماضى، كان النحاس سيد المطابخ المصرية بلا منازع؛ فلا يكاد يخلو بيت من صينية لامعة أو إبريق مزخرف أو أوانٍ تتحمل السنين، حتى أصبح اقتناؤه رمزًا للفخامة، وعنصرًا أساسيًا فى جهاز العروس.

بين النار والمطرقة

داخــل إحــدى الورش القـديمـة يجلـس الحــاج حسين عبدالموجود وقد حفرت السنوات ملامحها على وجهه، بينما تتحرك يداه بخبرة اكتسبها عبر أكثر من نصف قرن.

يقول: "اشتغلت فى المهنة دى وأنا طفل صغير، يعنى بقالى أكتر من 50 سنة، أيام زمان السوق كان غير السوق، والشغل كان كتير، والناس كلها بتشترى نحاس".

ويمرر يده على إحدى القطع النحاسية قبل أن يضيف: ازمان النحاس كان أساس البيت المصرى، دلوقت بقى للزينة أو التحف.. الدنيا اتغيرتب.

من المطابخ للمآذن

ولم يكن سوق النحاسين موطنًا للأوانى المنزلية والتحف الشرقية فقط، بل امتدت أيادى حرفييه إلى السماء، فهنا، داخل الورش التى يملؤها وهج النار ورنين المطرقة تُصنع الحُلى النحاسية التى تتوج مآذن المساجد، من الأهلة اللامعة إلى الزخارف الدقيقة التى تعلو القباب، فى عمل يحتاج إلى دقة وصبر ومهارة متوارثة.

ويشير الحاج حسين عبد الحكيم إلى إحدى القطع المعلقة داخل ورشته قائلاً: "شغل حُلى المآذن من أدق الشغل عندنا، محتاج عين دقيقة وصبر كبير جدًا، لأن أى غلطة صغيرة بتبان".

ويضيف بفخر: "إحنا مش بنشكل نحاس وبس.. إحنا بنعمل شغل هيطلع فوق المآذن والناس كلها هتشوفه".

وقبل أن يغادر ورشته يردد الحاج حسين كلماته التى تبدو أشبه بوصية: اطالما صوت المطرقة شغال.. يبقى النحاس لسه عايشب.

غلاء الخام

وفى ورشة مجاورة يواصل الحاج أحمد عبدالغفار عمله قبل أن يقول: "أكبر ضربة للمهنة كانت غلاء الخام.. النحاس بقى غالى جدًا، والناس راحت للألومنيوم والحاجات الأرخص".

ويشير إلى السوق الممتد أمامه مضيفًا: "زمان الزبون كان ييجى مخصوص يشترى جهاز بيت كامل من هنا، دلوقتى ناس كتير بتيجى تتفرج بس".

لم يعد سوق النحاس كما كان، فكثير من المحال التى اشتهرت بتشكيل النحاس اتجهت اليوم إلى تجارة الألومنيوم والأدوات المنزلية الحديثة فى محاولة للبقاء وسط ظروف اقتصادية صعبة. 

ورغـــم التحديات، لا تزال بعض الورش متمسكـــة بالمــهــــنــة، رافـــضــــةً أن تطــــفـــئ النار، ومنهم الحاج سيد محمـــــود، الذى يعمــل فى تصـــنيع التحـــف النحاسية منذ 40 عامًا، ويؤكد أن الحرفة لم تمت، مضيفًا: "النحاس عمره ما هيموت، يمكن قل، لكن مش هينتهي.. طول ما فيه ناس بتقدر الشغل اليدوي، السوق هيعيش".

ويتابع من خلف الصوانى المزخرفة والأباريق والتحف الشرقية: "فيه زباين من القاهرة ومن خان الخليلى بييجوا مخصوص عشان شغل طنطا.. هما عارفين قيمة القطعة اللى بتتعمل بإيد الصنايعي".

جيل جديد

وبين الحرفيين المخضرمين، يظهر خالد الشرقاوي، أحد الشباب الذين اختاروا تعلم المهنة رغم صعوبتها، ليمثل حلم جيل جديد بإحياء مهنة يعتبرها كثيرون تحتضر.   

ويقول: "المهــنة صــعبة جــدًا، محــتاجة صــبر وتحمل، والشغل فيها مرهق، بس فيها متعة غريبة، فيه إحساس جميل إنك بتصنع حاجة بإيدك من الصفر.. بتحس إن القطعة فيها روح منك".

السياحة التراثية

وترى الدكتورة أمينة عبد الباقى الباحثة فى التراث الشعبى بجامعة طنطا أن سوق النحاسين يمثل جزءًا أصيلاً من الهوية الثقافية لمحافظة الغربية، مؤكدةً أن الحفاظ على الأسواق التراثية اليس رفاهية، بل ضرورة لحماية جزء مهم من التراث الشعبى المصرىب.

وتضيف أن إدراج السوق على خريطة السياحة التراثية يمكن أن يسهم فى إعادة الحياة إليه، خاصة مع تزايد اهتمام السائحين بالحرف اليدوية الأصيلة.. ويتفق معها المهندس محمود إسماعيل، الموظف بحى ثان طنطا، مؤكدًا أن إنقاذ السوق يحتاج إلى رؤية واضحة تقوم على دعم الحرفيين، وتوفير الخامات بأسعار مناسبة، إلى جانب تدريب أجيال جديدة تحمل راية المهنة.

اقرأ  أيضا: «سوق النحاسين».. حرفة عريقة وسط المعالم الإسلامية