لم تكن ثورة 30 يونيو 2013 مجرد حدث سياسي عابر في تاريخ الدولة المصرية، وإنما كانت لحظة فارقة أعادت رسم خريطة الوطن وأنقذته من مصير مجهول.. وإذا كان ملايين المصريين قد خرجوا إلى الشوارع والميادين مطالبين بتصحيح المسار واستعادة الدولة الوطنية، فإن الدور الذي قامت به الشرطة المصرية خلال تلك الأيام الاستثنائية يظل واحدًا من أهم العوامل التي أسهمت في حماية الحراك الشعبي وضمان انتقال البلاد من حالة الاحتقان والفوضى إلى مرحلة الاستقرار.
لقد سجل التاريخ أن جهاز الشرطة، الذي تعرض لهجمة شرسة بعد أحداث يناير 2011، وجد نفسه في يونيو 2013 أمام اختبار وطني بالغ الصعوبة، اختبار لم يكن يتعلق بحماية مؤسسة أو الدفاع عن سلطة، وإنما بحماية شعب كامل خرج معبرًا عن إرادته بصورة سلمية وحضارية غير مسبوقة.
منذ يناير 2011 وحتى يونيو 2013 مرت العلاقة بين الشرطة والمجتمع المصري بمنعطفات معقدة، لكن مع تصاعد الغضب الشعبي ضد سياسات جماعة الإخوان، بدأت المؤسسة الأمنية تدرك أن البلاد تتجه نحو مواجهة خطيرة بين مشروع الدولة الوطنية ومشروع التنظيم الذي سعى إلى احتكار السلطة وإقصاء الآخرين.
وفي الأيام التي سبقت 30 يونيو، انتشرت قوات الشرطة في مختلف المحافظات لتأمين المنشآت الحيوية والميادين العامة والطرق الرئيسية، ليس بهدف منع التظاهر أو التضييق على المواطنين، وإنما لتأمين حقهم الدستوري في التعبير السلمي عن آرائهم.
وقد كان واضحًا أن وزارة الداخلية اتخذت قرارًا استراتيجيًا بالانحياز إلى الشعب المصري، ليس بمعنى الانخراط في العمل السياسي، وإنما عبر الالتزام بواجبها الوطني في حماية الجماهير والحفاظ على الأمن العام ومنع انزلاق البلاد إلى الفوضى.
حماية الملايين
شهدت مصر في 30 يونيو واحدة من أكبر الحشود الجماهيرية في التاريخ الحديث، حيث خرجت الملايين في القاهرة والمحافظات مطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة وإنهاء حكم جماعة الإخوان.
وكان التحدي الأمني هائلا بكل المقاييس، فالتعامل مع هذا العدد الضخم من المتظاهرين يتطلب تأمين الميادين والطرق والمحاور الرئيسية والمرافق العامة، فضلًا عن مواجهة محاولات التخريب أو الاعتداء على التجمعات الشعبية.
وقد نجحت الشرطة المصرية في إدارة هذا المشهد المعقد بدرجة كبيرة من الانضباط، فوفرت الحماية للمتظاهرين، وأمنت مداخل ومخارج الميادين، وسهلت حركة المواطنين، ومنعت وقوع احتكاكات واسعة كان يمكن أن تدفع البلاد نحو سيناريوهات دامية.
مواجهة العنف
ومع اتساع نطاق الاحتجاجات، بدأت جماعة الإخوان وحلفاؤها في تنظيم اعتصامات وتحركات مضادة اتسم بعضها بالتحريض والتصعيد.
وفي عدد من المحافظات، وقعت اعتداءات على المتظاهرين السلميين ومقار الأحزاب والقوى السياسية، كما شهدت بعض المناطق محاولات لإثارة الفوضى والاشتباكات.
هنا برز الدور المحوري لقوات الشرطة التي تحركت للفصل بين الأطراف المتصارعة ومنع امتداد دائرة العنف إلى مناطق أوسع.. كما تحمل رجال الشرطة أعباءً كبيرة في مواجهة أعمال العنف التي استهدفت المواطنين والمنشآت العامة والخاصة.
لقد كانت المعادلة شديدة الحساسية، فمن ناحية كان مطلوبا حماية حق التظاهر السلمي، ومن ناحية أخرى كان واجبًا منع تحول الشوارع إلى ساحات اقتتال أهلي، وهو ما نجحت فيه الدولة المصرية بفضل التنسيق بين مؤسساتها المختلفة وفي مقدمتها الشرطة.
لم يكن الخطر في تلك المرحلة مقتصرًا على الشارع فقط، بل امتد إلى مؤسسات الدولة ذاتها. فقد كانت هناك مخاوف حقيقية من انهيار الخدمات العامة أو تعطيل المرافق الحيوية نتيجة حالة الاستقطاب الحادة.
ومن هنا اضطلعت الشرطة بدور أساسي في حماية المنشآت الاستراتيجية، ومحطات الكهرباء والمياه، وأقسام الشرطة، والمباني الحكومية، والمتاحف والمواقع الأثرية، والمرافق الاقتصادية الحيوية.
لقد أدركت المؤسسة الأمنية أن الحفاظ على الدولة لا يقل أهمية عن حماية المتظاهرين، وأن نجاح الثورة الشعبية في تحقيق أهدافها يتطلب استمرار عمل المؤسسات العامة بصورة طبيعية وعدم السماح بخلق فراغ أمني أو إداري.
تضحيات لا تنسى
دفعت الشرطة المصرية ثمنًا باهظًا خلال تلك المرحلة وما تلاها من مواجهات مع التنظيمات الإرهابية التي تصاعد نشاطها عقب سقوط حكم الإخوان.
فسقط عشرات الشهداء من رجال الشرطة أثناء أداء واجبهم الوطني في مواجهة الإرهاب وحماية المواطنين، وتحولت معركة حفظ الأمن إلى حرب مفتوحة ضد جماعات العنف والتطرف التي استهدفت الدولة ومؤسساتها.
ولعل ما يؤكد حجم التحديات التي واجهتها الشرطة أن السنوات التالية لـ30 يونيو شهدت موجة إرهابية غير مسبوقة، كان الهدف منها إسقاط الدولة المصرية وإشاعة الفوضى، إلا أن تماسك الأجهزة الأمنية وقدرتها على المواجهة حال دون تحقيق تلك المخططات.
انحياز للدولة لا للسلطة
إن الحديث عن انحياز الشرطة في 30 يونيو لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انحيازًا لطرف سياسي ضد آخر، بل كان انحيازًا لفكرة الدولة الوطنية المصرية ولحق المواطنين في التعبير عن إرادتهم.
فالشرطة، بحكم مسئوليتها الدستورية، لم تكن طرفًا في الصراع السياسي، وإنما كانت حارسًا للأمن العام وضامنًا لسلامة المواطنين. وعندما خرج الملايين إلى الشوارع، كان واجبها الطبيعي أن تحميهم وأن تحافظ على أرواحهم وممتلكاتهم.
وقد أثبتت الأحداث أن الدولة المصرية بكل مؤسساتها، وفي مقدمتها الشرطة والقوات المسلحة، تعاملت مع لحظة تاريخية فارقة وفق اعتبارات الأمن القومي ومصلحة الوطن العليا.
أكبر خطة تأمين
تكشف الأرقام المعلنة آنذاك حجم الجهد الأمني الذي بذلته وزارة الداخلية لتأمين فعاليات 30 يونيو.. فقد أعلنت الوزارة أن نحو 440 ألف ضابط وفرد ومجند شاركوا في تنفيذ خطة التأمين على مستوى الجمهورية، بعد إلغاء الإجازات والراحات ورفع درجة الاستعداد القصوى في جميع القطاعات الأمنية، كما انتشرت الخدمات الثابتة والمتحركة في الميادين الرئيسية ومحاور المحافظات، مع تأمين المنشآت الحيوية والمرافق العامة وأقسام الشرطة والمقار الحكومية.
وشملت الخطة الأمنية الدفع بما يزيد على 220 تشكيلا من قوات الأمن المركزي، إلى جانب غرف عمليات مركزية وفرعية لمتابعة الموقف على مدار الساعة، والتدخل السريع في حالات الطوارئ ومنع أي محاولات للاعتداء على المتظاهرين أو الممتلكات العامة والخاصة.
وخلال الساعات الأولى لفعاليات 30 يونيو وما أعقبها، نجحت الأجهزة الأمنية في تأمين ملايين المصريين الذين احتشدوا في القاهرة والمحافظات، كما تمكنت من ضبط كميات من الأسلحة غير المرخصة والعناصر الإجرامية التي حاولت استغلال حالة الحشد الشعبي، في وقت سجلت فيه الوزارة إصابة عدد من رجال الشرطة أثناء أداء واجبهم الأمني.
لم تتوقف تضحيات الشرطة المصرية عند تأمين ثورة 30 يونيو، بل دخلت بعد ذلك في مواجهة مفتوحة مع التنظيمات الإرهابية التي استهدفت الدولة المصرية ومؤسساتها الأمنية.. وخلال السنوات التالية، قدمت وزارة الداخلية مئات الشهداء وآلاف المصابين من رجالها في معارك مكافحة الإرهاب، سواء في شمال سيناء أو في مختلف المحافظات، حيث استهدفت الجماعات المتطرفة الكمائن الأمنية وأقسام الشرطة والدوريات والقضاة ورجال الجيش والشرطة في محاولة لإسقاط الدولة وإشاعة الفوضى.
وتحولت معركة استعادة الأمن بعد 30 يونيو إلى واحدة من أطول وأعقد المواجهات الأمنية في تاريخ مصر الحديث، نجحت خلالها أجهزة الأمن في تفكيك عشرات البؤر الإرهابية وإحباط مئات المخططات التخريبية، ما أسهم في استعادة الاستقرار وترسيخ مؤسسات الدولة الوطنية.
ومن ثم، فإن تقييم دور الشرطة في 30 يونيو لا يقتصر على يوم التظاهرات وحده، وإنما يمتد إلى السنوات التالية التي تحمل خلالها رجالها عبء مواجهة الإرهاب والدفاع عن الدولة المصرية، مقدمين نموذجًا للتضحية والفداء في واحدة من أكثر الفترات دقة وخطورة في تاريخ الوطن المعاصر.
درس في الوطنية
بعد سنوات من ثورة 30 يونيو، يظل الدور الذي قامت به الشرطة المصرية محل تقدير واسع لدى قطاعات كبيرة من المصريين الذين رأوا بأعينهم كيف تحولت المؤسسة الأمنية إلى خط دفاع رئيسي عن الدولة والمجتمع.
لقد أثبت رجال الشرطة أن حماية الوطن لا تكون بالشعارات، وإنما بالوجود في الميدان وتحمل المسئولية ومواجهة الأخطار مهما كانت التضحيات.
وفي ذكرى 30 يونيو، تبقى الحقيقة الثابتة أن الشرطة المصرية كانت شريكًا أساسيًا في حماية الإرادة الشعبية، وحفظ الأمن العام، ومنع انزلاق البلاد إلى الفوضى، لتسجل صفحة جديدة في سجل طويل من العطاء الوطني دفاعًا عن مصر وشعبها ودولتها.
اقرأ أيضا: مصر ومكافحة الإرهاب بعد ثورة 30 يونيو.. مقاربة لاقت رواجا إقليميا ودوليا
الضربات الأمنية الاستباقية .. أحبطت مخططات الإرهابية
شهداء الواجب.. كتبوا أسماءهم بأحرف من نور في معركة الحفاظ على الوطن
حكايات الدموع والفخر من داخل بيوت الأبطال






