كان مشهد النزول عظيماً تفاجأ به الإخوان ومثّل لهم صدمة مروِّعة حاولوا إنكارها وما زالوا يحاولون إنكارها حتى الآن، ومثّل صدمة للإدارة الأمريكية لأن المشهد فاق كل التوقعات، بل مثّل صدمة للمصريين الذين نزلوا إلى الميادين لأنهم أدركوا أنهم على الطريق الصحيح.. فهذه الأعداد الهائلة وغير المسبوقة فى تاريخ مصر تمثِّل فى حد ذاتها إجماعاً قوياً على صحة موقفهم من جماعة الإخوان التى بالكاد أكملت عاماً فى الاستئثار بالسلطة بعد جوع ولهث عليها استمر قرابة التسعين عاماً، فليس عجيباً أن نرى ماكينة إعلام الإخوان تصوِّر هذا الخروج العظيم وهذه الملايين التى افترشت الساحات والميادين مجرد فوتو شوب، وأن من نزلوا إلى الميادين لم يتجاوزوا خمسين ألفاً حسب رواية الإخوان وماكيناتهم الإعلامية.. يالها من نكتة سخيفة لا يصدقها عاقل أو حتى طفل صغير، فقد شاهدنا بأم أعيننا وشاركنا فيه ورأينا بأنفسنا هذا الزحام الشديد، وغير المعتاد حتى قبل الوصول إلى ميدان التحرير على سبيل المثال، وإذا أردنا أن نعقد مقارنة أو مقاربة بين مشهد يناير ومشهد يونيو - وأنا شاهد عيان على هذين المشهدين - كانت أعداد المتظاهرين قد ملأت ميدانى التحرير وعبدالمنعم رياض عن آخرهما، بالإضافة إلى جميع الشوارع المحيطة بهما بالإضافة إلى كوبرى قصر النيل، وهذا لم يحدث بهذا الشكل فى يناير، أضف إلى ذلك أن مشهد يناير كانت نقطة الالتقاء الرئيسية فيه ميدان التحرير وفقط، أما مشهد يونيو فكانت نقطة الالتقاء الرئيسية فيه ميدانى التحرير والاتحادية وما حولهما، إذن نستطيع القول بكل وضوح إن مشهد يونيو كان أضعاف أضعاف مشهد يناير، وفى أقل تقدير كان ضعفه مرة ونصفا على الأقل، بالإضافة إلى أن مشهد يونيو شمل كل فئات الشعب المصرى، كما شهد نزول حزب الكنبة (الحزب السياسى الأكبر والأعرض فى مصر)، لذا فإن هذا المشهد العظيم من ناحية أخرى يمثل رداً ساحقاً ماحقاً على أكاذيب الإخوان التى تروِّج لمقولة إن الرئيس جاء بالصندوق وينبغى أن يذهب بالصندوق، غاضين الطرف عن مشهد يناير حين تم خلع الرئيس مبارك عن طريق نزول الجماهير نزولاً كبيراً، فما بالنا بمشهد يونيو الذى نزلت فيه الجماهير بشكل أكبر مما حدث فى يناير، لهذا فإن نزول الجماهير الضخمة وغير المسبوقة يمثِّل فى حد ذاته إجماعاً، ينسف ويجب أى إجراءات شاركت فيها الجماهير سابقاً مثل مشهد الانتخابات والصندوق الانتخابى، فها هى الجماهير التى شاركت فى ذلك المشهد الانتخابى نزلت بأنفسها إلى الشوارع والميادين لتصحح خطأها والمسار الذى سارت عليه عن طريق الصندوق الانتخابى، ولم تنتظر أن يستكمل هذا الرئيس القابع فى قصر الاتحادية والممثل لمكتب الإرشاد وجماعة الإخوان، إذن المعيار الذى نحتكم إليه هو نزول الجماهير لأنه يمثل أقوى تعبير عن الإرادة الشعبية تفوق أضعاف أضعاف أضعاف مشهد الصندوق الانتخابى.
بل لا وجه للمقارنة أصلاً بين هذين المشهدين، فالإرادة الشعبية غالبة على كل شيء والكلمة الأولى والأخيرة والفصل يرجع إليها، لذا كانت الصدمة عظيمة لجماعة الإخوان وللإدارة الأمريكية، لأنها تدرك جيداً أن ما قبل الثلاثين من يونيو ليس كما بعده، سواء كان فى الداخل المصرى أو على مستوى المنطقة العربية بل على مستوى العالم أجمع، وهذا ما حدث بالفعل لأن هذا المشهد ببساطة أفشل وأوقف كل المخططات التى كانت تُراد للمنطقة وبالأخص مصر، لك أن تتخيل عزيزى القارئ عزيزتى القارئة أن مشهد الـ30 من يونيو لم يحدث واستمر الرئيس المعزول محمد مرسى فى السلطة .. تُرى ماذا سوف يكون عليه حال الدولة المصرية وشكلها!! على سبيل المثال كنا سنرى التفريط فى حلايب وشلاتين والتفريط فى جزء من أرض سيناء لصالح مشروع (چیورا أیلاند) أو مشروع الوطن البديل أو الترانسفير، وهو المخطط الذى دأبت علیه إسرائيل لتهجير الأشقاء الفلسطينيين إلى شبه جزيرة سيناء بحجة الوقوف مع أهالى غزة ومساندتهم، وهذا باعتراف الرئيس الفلسطينى محمود عباس حين أكد أن الرئيس المعزول محمد مرسي عيسى العياط عرض عليه هذه الفكرة الخبيثة التى رفضها الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن.
أضف إلى ذلك زيادة حالة الاستقطاب فى الشارع المصرى وزيادة حدة الانقسام بين المصريين، بسبب سياسات الإخوان التى تفرق بين أطياف الشعب المصرى ونظرتهم الدونية لكل من يخالفهم ولا ينتمى إليهم، فهم وحدهم فقط الذين يملكون الحقيقة وما عداهم مجرد مجموعة من الحمقى لا يفقهون شيئاً، وهذا السلوك يتوافق مع نظرة الإخوان الفوقية لمن سواهم.. وكنا سنرى أيضاً مزيداً من العنف بين أبناء الوطن الذى سيؤدى حتماً إلى حالة من الانقسام والفوضى فى الشارع المصرى مما يهدد بنشوب حرب أهلية لا قدر الله.
ولا ننسى فى هذا السياق المشهد المصرى إذا تصورنا أن الثلاثين من يونيو لم تحدث، كان مشروع (الأخونة) سيجرى على قدم وساق الذى سيؤدى إلى استئثار الإخوان بالسلطة أكثر وأكثر والتحكم فى مفاصل الدولة المصرية، وهناك نقطة أخرى خطيرة للغاية لا يلتفت إليها الكثير وهى أن ملفات الأمن القومى المصرى وهى لاشك ملفات حساسة وفى غاية السرية ويطلع عليها الرئيس بحكم منصبه سوف تصبح بكل سهولة فى متناول التنظيم الدولى لجماعة الإخوان، وبالتالى تصل هذه المعلومات الخطيرة والسرية إلى الدول المعادية لمصر وأجهزة الاستخبارات الأجنبية التى ترعى جماعة الإخوان، لك أن تتخيل عزيزى القارئ عزيزتى القارئة هذه الكارثة.. هل هناك مواطن مصرى وطنى وشريف يقبل أن تسلم مصر رقبتها بكل سهولة لأعدائها؟! هل أدركنا حجم الكوارث التى كنا سندفع ثمنها غالياً إذا استمرت هذه الجماعة ومندوبها محمد مرسى عيسى العياط فى حكم مصر؟..
نلتقى فى الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.
صلاح دندش يكتب: تخاريف
أيمن بدرة يكتب: حقائق تاريخية وفرحة يوم 3/7
كمال الدين رضا يكتب: «صلاح».. ولقاء الأحلام






