بقلم الكاتبة: أمينة خيرى
قنـــاة السـويس الجــديـدة.. شريــــان حيــــــــــــــــــاة
تواصل «الأخبار» نشر فصول من كتاب «رجل الأقدار.. سيرة قائد ومسيرة وطن»، الذى أطلقته الهيئة الوطنية للصحافة برئاسة المهندس عبد الصادق الشوربجى، ليكون أحد أبرز الإصدارات التوثيقية الصادرة بمناسبة الاحتفال بذكرى ثورة 30 يونيو، فى إطار توثيق مرحلة فارقة من تاريخ الدولة المصرية، ورصد التحولات الكبرى التى شهدتها خلال السنوات الماضية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى.
يقدم الكتاب قراءة موثقة تستند إلى الحقائق والوثائق والشواهد، مستعرضًا مسيرة بناء الدولة الحديثة، وما تحقق من إنجازات على المستويات السياسية والاقتصادية والتنموية، إلى جانب استعادة أبرز التحديات التى واجهت الوطن وكيف نجحت الإرادة المصرية فى تجاوزها والانطلاق نحو آفاق جديدة من التنمية والاستقرار.
وننشر اليوم فصلين جديدين من الكتاب؛ الأول بعنوان «قناة السويس الجديدة.. شريان حياة»، بقلم الكاتبة أمينة خيرى التى تستعرض القيمة التاريخية والاستراتيجية لقناة السويس الجديدة باعتبارها أحد أهم الممرات الملاحية فى العالم، وكيف جسد مشروع القناة الجديدة نقلة نوعية عززت مكانة مصر على خريطة التجارة العالمية..
أما الفصل الثانى، لنفس الكاتبة فيحمل عنوان «خيوط الحلم النووى»، ويرصد رحلة مصر الطويلة نحو امتلاك برنامج نووى سلمي، بدأت منذ خمسينيات القرن الماضى، حتى أصبحت محطة الضبعة اليوم تجسيدًا لحلم وطنى طال انتظاره، وخطوة استراتيجية نحو تنويع مصادر الطاقة ودعم مسيرة التنمية المستدامة، بما يعكس إصرار الدولة المصرية على تحويل الأحلام المؤجلة إلى واقع ملموس.
درجات المخزون المعرفى، والاطلاع الخبرى، والاهتمام الثقافى تختلف بين الـ 110 ملايين مصرى.. بيننا من يقرأ كثيرًا، وبيننا من يقرأ قليلًا، وبيننا من لا يقرأ أصلًا.. تتراوح مستويات التعليم والمعيشة ونوع العمل والاهتمامات.. يختلف المصريون فيما بينهم فى الآراء والتوجهات والاهتمامات.. بعضهم يعرف الكثير، والبعض الآخر يكتفى بالقليل، لكن لا يختلف اثنان حول «قناة السويس».
تسأل طفلًا أو شابًا أو مسنًا، أو عاملًا بسيطًا، أو رجل أعمال مقتدرًا، أو طالبًا، أو طبيبًا أو مهندسًا أو ضابطًا أو شخصًا حُرِم من التعليم عن «قناة السويس»، وسيخبرك بأنها «شريان حياة وتجارة وخير».. سيخبرك بأنها معلم من معالم مصر.. سيخبرك بأنها مطمح ومطمع العالم أمس واليوم وغدًا.
وسيخبرك بأنها ممر مائى صنعه المصرى العظيم، لكن لفرط ارتباطه بمكانة وأهمية ومحورية مصر، كاد يصبح ممرًا طبيعيًا يشكل أبرز ملامح نقاط التقاء قارتى إفريقيا وآسيا.. سيخبرك بأن كل نقطة ماء وكل حبة رمل فى هذا «الممر» تحكيان قصة، وشاهدان على عصر.
قناة السويس؛ هذا الممر المائى الرابط بين البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، تعود فكرته الأولى إلى عصر الجد الفرعون سنوسرت الثالث، أحد أعظم وأقوى فراعنة الأسرة الـ 12 وأعظم ملوك الدولة الوسطى.. سنوسرت الثالث أول من فكر فى ربط البحرين الأحمر والأبيض المتوسط..
وحقق الفرعون المصرى الحلم وقتها، عبر قناة «سيزوستريس» التى دارت فكرتها حول ربط البحرين عبر النيل.
المصريون قدسوا «سنوسرت الثالث» بعد مماته، لم لا، وقد كان أعظم وأقوى فراعنة عصره، وحققت مصر بفضل حنكته وقوته ورؤيته العسكرية والاستراتيجية مجدًا عسكريًا ورخاءً اقتصاديًا موثقًا على جدران مصر القديمة، وفى كتب التاريخ.
وتخبرنا كتب التاريخ والجغرافيا الأحدث نسبيًا أن المصريين ظلوا على عهدهم فى صناعة الأمجاد، حتى فى أحلك الظروف وأصعب الأوضاع.
الفأس الأولى
قناة السويس، هذا الممر المائى العظيم، والشريان الاقتصادى الحيوى، والمكون الاستراتيجى الجبار، ضُرِبت الفأس الأولى فيها فى 25 إبريل عام 1895.. ورغم فرمان الامتياز، ونسب الفكرة إلى المهندس الفرنسى فرديناند دليسبس، وحصوله على امتياز حفر القناة من صديقه والى مصر محمد سعيد باشا، فإن من حفر القناة، ورواها بالدم والعرق هم المصريون.
الأرقام تحدثنا عن مليون مصرى حفروا شريان العالم التجارى والاستراتيجى الأهم والأطول، قتل منهم نحو 120 ألف عامل فى حوادث مختلفة، وذلك على مدار عشر سنوات كاملة هى الفترة التى استغرقتها أعمال الحفر والتجهيز.. حفر هذا الجيش العظيم من العمال المصريين 193 كيلومترًا، بعرض أقله 280 مترًا وأكبره 345 مترًا، ليمدوا الكوكب بشريانه المائى الأهم.
عقد الدم والأرض
أهمية قناة السويس يعرفها كل مصرى ومصرية.. أسرع وأكفأ ممر مائى يربط بين أوروبا وآسيا، شريان التجارة العالمية الأهم، اختصرت المسافات وقللت كلفة الشحن وأنعشت العديد من اقتصادات العالم، تلعب دورًا استراتيجيًا لا يمكن اختزاله فى بضعة أسطر أو كلمات، ناهيك عن كونها مصدرًا للدخل القومى من العملة الصعبة، وتنعش على جانبيها وهوامشها وداخلها المئات من المشروعات والأعمال والاستثمارات، والقائمة تحتاج عشرات الكتب والمراجع.
كتب ومراجع مثلها نحتاجها لسرد ما نتج عن هذه الأهمية من حروب وإقحام فى صراعات، أملًا فى استمرار بسط السيطرة وإحكام الهيمنة على القناة، وإبقائها بعيدًا عن سلطة من بنوها على أرضهم ويمتلكونها بعقد الدم والأرض والزمان والمكان.
أممها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فى يوليو عام 1956 فى قرار تاريخى.. شنت بريطانيا وفرنسا -اللتان كانتا تزعمان امتلاك حق فى القناة- عدوانًا على مصر ومعهما إسرائيل فى شهر أكتوبر من العام نفسه 1956.
أبدى الجيش المصرى، والمصريون، وأهل بورسعيد بطولة فى صد العدوان ما زال التاريخ يقف أمامها عاجزًا عن الفهم.. فى عام 1967، سيطرت القوات الإسرائيلية على شبه جزيرة سيناء، بما فى ذلك الضفة الشرقية لقناة السويس، وتم بناء خط بارليف بمنع أى محاول مصرية لاسترداد القناة.. وتم تزويد خط بارليف بقلاع حصينة ومنصات دبابات وبطاريات المدفعية.
تم إغلاق قناة السويس، توقفت حركة الملاحة تمامًا، ما اضطر سفن العالم إلى العودة إلى طريق رأس الرجاء الصالح. ظلت القناة مغلقة ثمانى سنوات كاملة، إلى أن قامت حرب أكتوبر 1973، وتحقق النصر العظيم، وعادت القناة إلى حضن المصريين.. عادت حركة الملاحة إلى القناة فى 5 يونيو عام 1975، وذلك بعد توقيع اتفاقية فض الاشتباك بين مصر وإسرائيل.
ويبدو أن قدر المصريين مرتبط بأعظم الإنجازات، وأكبر المشروعات التى تؤثر فى العالم كله، رغم محاولات كثيرين الإنكار أو التجاهل أو جذب الأنظار إلى مناطق ومشروعات أخرى، وتقديمها وعرضها باعتبارها أكبر وأفضل وأنجع، وقادرة على جذب البساط من تحت أقدام مصر.
وشاءت الأقدار أن تكون أقدام مصر موعودة بالمزيد، وليس بقناة سويس واحدة، بل قناتين، وليس بمنظومة مشروعات واستثمارات واحدة مرتبطة بالقناة، بل بعشرات المنظومات، والنبع لا ينضب، وهو لا يفيض فقط فى الظروف الميسرة وأحوال الرفاه والاستقرار، بل فى أحلكها وأصعبها، وهذا أحد أسرار العبقرية المصرية.
الزمن: عام 2014.. المكان: المحروسة.. الأبطال: 94 مليون مصرى ومصرية (تعداد مصر فى ذلك العام) يستثنى منهم قادة وأعضاء فكر جماعات إرهابية أرادت هدم البلاد وإلحاق الضرر بالعباد.
بين نارين
فى ذلك العام، كانت مصر بين نارين، نار الاحتفاء وتنفس الصعداء بالتخلص من حكم جماعة مجرمة، ونار المضى قدمًا فى الجاهزية والاستنفار لمواجهة محاولات مستميتة من الجماعة وأذنابها وأبناء عمومها من أجل الانتقام من المصريين.. فى ذلك العام أيضًا، كان المصريون لا يواجهون انتقام الإخوان فقط، وتصاعد العمليات الإرهابية والانتقامية الموجهة ضدهم، بل تصاعد جهود دولية حاولت إعادة الجماعة إلى سدة الحكم بكل الطرق المباشرة ومن خلف الأبواب المغلقة.
كل ما سبق أثر سلبًا على الاقتصاد، وألقى بظلال وخيمة على التفاصيل الصغيرة والكبيرة لحياة أغلب المصريين.. ورغم ذلك، نهض المصريون مجددًا، ليرسموا ملامح ملحمة جديدة من ملاحم القوة والصمود والتحدى وإثبات عكس المتوقع تمامًا.
وبدأت الحكاية
وبدأت الحكاية، وفى كل تفصيلة من تفاصيلها، لمحة من لمحات شخصية الرئيس، وملمح من ملامح رؤيته لمصر وللمصريين.
وزير النقل الفريق كامل الوزير يحكى الحكاية.. يبدأها وقت أن كان لواء أركان حرب. كامل الوزير رئيس أركان حرب الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.. يتذكر التفاصيل كأنها حدثت أمس. إنها التفاصيل التى لا يمل المصريون من تذكرها، واستحضارها ليذكروا أنفسهم أنهم يستطيعون.
سنُطوّر الفكرة
بدأ التفكير فى إنشاء طريق الجلالة وقت أن كان الرئيس السيسى وزيرًا للدفاع، وتحديدًا فى مارس عام 2013. تم عرض الفكرة من قبل عدد من المستثمرين، وتقرر زيارة هضبة الجلالة، وهى أرض مستوية على مساحة 19 ألف فدان، وتقل درجة الحرارة عليها بنحو 11 درجة مقارنة بالقاهرة.
حلق كل من وزير الدفاع المشير السيسى، ورئيس أركان الهيئة الهندسية اللواء كامل الوزير واللواء أمير سيد أحمد (أصبح فيما بعد مستشار الرئيس للتخطيط العمرانى) وأحد كبار المستثمرين فى مصر، ولعلها المرة الأولى التى تهبط فيها طائرة على الهضبة الشهيرة فى منطقة العين السخنة.. قال المستثمر: إنه يرغب فى تطوير مشروعاته السياحية فى المنطقة، ويصب بين مشروعه على قمة جبل الجلالة وبقية المشروع أسفل الجبل ليحقق نوعًا من التكامل بينهما.
كان وزير الدفاع المشير عبد الفتاح السيسى يستمع بتمعن. انتهى المستثمر من شرح فكرته، وبعد انصراف المستثمر، قال وزير الدفاع: «سنطور الفكرة..
سنبنى طريقًا موازيًا لطريق السخنة الذى ظل معروفًا بطريق الموت، ثم نشق منه وصلة تفيد المنتجع المشيد على الجبل، وتساعدنا فى تنفيذ المشروعات السياحية فى المنطقة».
ما قاله وزير الدفاع يومها لم يكن مجرد فكرة، بل هى طريقة تفكير. المسألة تطورت من كونها طريقًا يخدم حركة التنقل والوصول لمشروعين سياحيين يملكهما مستثمر، بل منظومة بناء وتعمير.
إنه الطموح
إنه الخيال والطموح والآمال التى تفوق حجم المعتاد.. كل من تعامل مع الرئيس يعرف جيدًا أنه قادر على نقل كل فكرة إلى مستوى آخر تمامًا، وتطوير كل مقترح ليصبح بمثابة مشروع قائم بذاته يخدم الملايين.. فى فكر الرئيس، الموضوع كبير، الرؤية كبيرة، والمستقبل حدوده السماء.
قال وزير الدفاع يومها: «هنعمل طريق موازى لطريق السخنة الحالى اللى كله عامل زى الثعبان، وفيه حوادث، وفيه زحام.. سيربط بين منطقة العين السخنة فى نهاية طريق السخنة، وهو حاليًا البوابات، وينزل على طريق بنى سويف / الزعفرانة، ونعمل وصلات ربط بين طريق الجلالة ده، وبين المنتجعات اللى تحت».
وكانت النتيجة إنجازًا بشريًا قبل أن يكون إنشائيًا أو هندسيًا، اسمه طريق الجلالة الذى أبهر العالم من حيث الإرادة والتنفيذ. طريق الجلالة هو أصعب المهام الإنشائية الهندسية التى جرت فى مصر، وليس أدل على ذلك من حجم شق الجبل وتفتيت الصخر وبناء الطريق الذى غيّر وجه المنطقة بالكامل.
مكالمة هاتفية
وبينما العمل دائر، تلقى الفريق كامل الوزير اتصالًا هاتفيًا من الرئيس بعد توليه المنصب الذى كلفه به المصريون، وتحديدًا فى شهر يوليو عام 2014، أى بعد أيام قليلة من توليه رئاسة مصر.
السلام عليكم يا كامل.
وعليكم السلام يا أفندم. إزاى حضرتك؟
أنا هسألك فى إيه؟
طريق الجلالة يا أفندم!
لا أنا مش هسألك عن طريق الجلالة النهارده، أو عن الطرق. أنا عارف إن أنتم شغالين وماشيين، ولو فى مشكلة أنت بتقول لى.
يا أفندم، سيادتك أؤمر، تحت أمرك.
أنا هاكلمك على قناة السويس.
أخبار قناة السويس إيه دلوقتى؟
من ناحية إيه يا أفندم؟
أخبار قناة السويس إيه دلوقتى؟ يعنى عبور القناة دلوقتى بيتم إزاى؟ الناس بتعبر القناة إزاى دلوقتى؟ هل فى عطلة (تعطل) فعلًا ولا مفيش؟
والله يا أفندم أنا لكثرة ترددى على سيناء ومنطقة الإسماعيلية ومناطق المشروع القومى للطرق اللى بنعمله فى سيناء، أنا شايف إن فى انتظار كتير سواء من قبل الناس انتظارًا للمعديات.. وبشوف كثافة العبور كسفن فى القناة كبيرة وأنا فى منطقة الدفرسوار بالتحديد، يعنى المنطقة بتاعة البحيرات.. فى منطقة البحيرات المرة الصغرى والكبرى وجزيرة البلاح بشوف فيه سفن كتيرة متراكمة، يعنى واقفة على الشمندورة ومنتظرة دورها فى العبور.
المعروف أن قافلة سفن الشمال كانت تصل، ويبقى جزء منها فى البلاح، وجزء منها فى البحيرات المرة، وجزء ثالث يكمل.. وكان على الجميع الانتظار حتى تمر قافلة الجنوب، وهكذا. بمعنى آخر، كان هناك ازدحام مرورى فى القناة.
معجزة جديدة
وعودة إلى المكالمة الهاتفية. قال الرئيس: طيب أنا بسألك لأن الفريق مهاب مميش (رئيس هيئة قناة السويس السابق) كان عندى، وبيقول برضه إن فى مشكلة فى العبور (السفن)، وإننا نقدر نعمل قناة سويس جديدة موازية للقناة الحالية، حتى لو ما كانش بكامل طول المسافة كلها،
يعنى من منطقة البلاح إللى فيها المشكلة حتى منطقة البحيرات، يعنى حوالى 72 كيلومترًا. وده ممكن يقلل زمن عبور السفن.
كان هذا ملخص المكالمة الهاتفية بين الرئيس والفريق كامل الوزير فى شهر يوليو 2013. مشكلة الازدحام، وتأخر المرور، وملمح حل لتيسير المرور، وتعظيم الفائدة.
وكانت النتيجة معجزة جديدة يسطرها المصريون من ألفها إلى يائها فى عام واحد.
السؤال المتحول فكرة، والفكرة المتحولة إلى مشروع يلتف حوله ملايين المصريين يتحدث اليوم عن نفسه أمام العالم أجمع.
فكروا وادرسوا وأخبرنى بما تحتاجون
أخبر الفريق كامل الوزير الرئيس السيسى بضرورة البحث فى أمور لوجستية، وأخرى تتعلق بالجوانب الأمنية والعسكرية، وغيرها، فرد الرئيس: فكروا، وادرسوا، وأخبرنى بما تحتاجون.. وبحسب احتياجات القوات المسلحة والأولويات، ندرس موقع العمل، هل يكون ملاصقًا للقناة، أم يبعد عنها بضعة كيلومترات، وإن كان فى موقع ما تبقى من «الساتر الترابى» (خط بارليف)، فهذا سيتطلب رفع كميات ضخمة جدًا من الرمال، وغيرها من البدائل والاختيارات مع دراسة مميزات ونقاط ضعف كل منها.
قال الرئيس للفريق كامل الوزير: خذوا وقتكم. أمامكم بحد أقصى أسبوع! وتعودوا لى بأنسب مسار، وطرق حل المعضلات فى هذا المسار حتى نبدأ العمل فورًا.
أخبر الفريق كامل الرئيس بأنه سيرد عليه بعد أسبوع، وفعلًا بدأ العمل. يقول الوزير: «بدأت خطة العمل أنا والضباط زملائى فى كل من هيئة العمليات والهيئة الهندسية. وذهبنا إلى الفريق مهاب مميش فى الإسماعيلية، واجتمعنا معه ومع خبراء ومهندسى الهيئة، وتناقشنا، وبعد ثلاثة أيام، كنا جاهزين بالفكرة.
يا أفندم إحنا جاهزين!
ودار حديث آخر بين الرئيس والفريق الوزير.
يا أفندم إحنا جاهزين.
فعلًا؟!
جاهزين.
حددتم المسار؟
حددنا المسار.
حددتم المكان بالضبط؟
حددنا المكان بالضبط.
طيب هاتوا بعض وتعالوا كلكم بكرة. اتفق مع الفريق مهاب ومع رئيس هيئة العمليات، وتعالوا بكرة ومعكم الخرائط.
المجموعة تقرر
وبالفعل، توجهت المجموعة صباح اليوم التالى إلى الاتحادية.. وكانت لقاءات الرئيس فى ذلك اليوم تبدأ فى الساعة العاشرة صباحًا، فحدد لنا الموعد فى الثامنة صباحًا!.
عرضت المجموعة الأفكار، وشرحت المسارات الثلاثة المقترحة على الخرائط.. مسار ملاصق على طول القناة، وهذا لم يكن له أن يؤثر فى مساحات الأراضى المستصلحة أو المبانى، ولكن كان سيتطلب كميات حفر كبيرة جدًا، لا سيما مع وجود الساتر الترابى.
والثانى هو ما تم الاتفاق عليه، وهو على بعد يتراوح بين كيلومتر وكيلومترين من القناة، وفى بعض المناطق 700 متر فقط.. والثالث مسار ملاصق للطريق العرضى وفيه هدر كبير.
أجمعت المجموعة على المسار الثانى، وهو على بعد نحو 700 متر من منطقة البلاح، ويتسع قليلًا ليصل إلى كيلو متر فى منطقة النصب التذكارى للجندى المجهول فى منطقة الإسماعيلية شرق، ثم يقترب من القناة مجددًا عند منطقة البحيرات.
رغبة الجميع فى بدء المشروع كانت عارمة. حتى جسات التربة اللازمة لمعرفة تكوينها للاستعداد لها بالمعدات، تم اختزاله بقرار يرتكز على عنصر مصرى صميم. طالما نوينا العمل، فسنستعد لمواجهة ما قد يقابلنا، ونبدأ العمل فورًا، لا سيما وأن أجهزة وخبرات التعامل مع التربة الطفلية والصخرية والرملية متوفرة. كل المطلوب، استعدادات أكثر من المعتاد، وعزيمة وإصرار على المضى قدمًا مهما كانت الظروف.
وتم تحديد تاريخ احتفالية التدشين يوم 5 أغسطس من العام نفسه 2014، «وتوكل الجميع على الله»، يقودهم الرئيس الذى آمن بالفكرة، وتحمس لها، ودعمها بكل ما تعنيه الكلمة، بدءًا بتوفير كل ما يحتاجه حلم المصريين الجديد من دعم مالى ونفسى، ومتابعة يومية، وتذليل عقبات.
تنظيم دولاب العمل
وتم تنظيم دولاب العمل، حفر جاف، إزالة الأتربة، يتم الحفر، يتم الوصول لمنسوب المياه، تدخل الكراكات، وهلم جرا.
بدايات التجهيز للحفر سطرت فصلًا جديدًا من فصول جدعنة وشهامة المصريين..
حفر هذه المساحة الضخمة، وإزالة هذا الكم المذهل من الأتربة كان يتطلب عددًا كبيرًا من المعدات، حفارات، لوادر، قلابات، بلدوزرات وغيرها. ما فعله الفريق كامل الوزير - بتوجيه الرئيس ودعمه-هو أنه جمع كل إمكانات الشركات التى كانت تعمل فى طريق الجلالة، عمالًا ومعدات وخبرات. وكان التواصل مع أصحاب الشركات قد تضمن إخبارهم بأن طريق الجلالة ليس آخر الأعمال الكبرى التى تتعاون فيها الدولة معهم، وهو ما شجع الكثيرين على شراء معدات جديدة،
بالإضافة إلى تجهيز الموجود لديهم. ورغم ذلك، فإن حفر قناة جديدة بعمق قناة السويس كان يحتاج معدات أكثر وأكبر وأكثر تعقيدًا من تلك المستخدمة فى طريق الجلالة.. بمعنى آخر، كانت هناك حاجة للحفارات العملاقة مثل التى تنتجها شركتا «كاتربيلار» و«كوماتسو» وغيرهما، وهى الحفارات القادرة على حفر وإزالة آلاف الأطنان، عكس الحفارات الصغيرة ذات القدرات المحدودة.
شرح المشروع
وبعد الاتفاق مع الرئيس السيسى، اجتمع الفريق كامل الوزير مع أصحاب الشركات، وشرح لهم المشروع القومى، ومدى أهميته، وقيمته الوطنية. وبينما الفريق كامل يرفع من المعنويات ويشحذ الهمم من أجل المشروع المصرى الجديد، إذ بأصحاب الشركات والمقاولون أنفسهم هم من يرفعون من معنويات الفريق كامل ومن معه، ويشحذون كل الهمم.
اتفق الجميع على تزويد مشروع مصر القومى الجديد بكل ما يحتاجه من سواعد ومعدات. وحين سألهم الفريق كامل عن الأسعار، أصر فريق منهم على عدم الكلام فى «الفلوس دلوقتى»، حيث الأولوية لسرعة الإنجاز.. «نشتغل دلوقتى وربنا يسهل وننجح، وبعدين نتكلم فى الأسعار».
فريق آخر فضل معرفة الأسعار المتوقعة لعمل حساباتهم.. يتذكر الفريق كامل هذه النقاشات، ويتذكر مكان الاجتماع فى الجلالة أعلى تبة، تم نصب خيمة عليها تحت شمس يوليو القائظة.. اجتمع الجميع، وطلب الفريق كامل غداءً للجميع. جلسوا فى الحرارة الرهيبة، وأكلوا، وتفاوضوا. ما كلفة حفر وإزالة أتربة المتر المكعب؟ منهم من قال 15، ومنهم من أكد على 16، وهناك من جزم أنه 17 جنيهًا، ولكلٍ مبرره.
كلام رايح، ونقاش جاى
مفاوضات، ونقاشات، و«كلام رايح» و«نقاش جاى». ووصلت الجهود التفاوضية عند عشرة جنيهات للمتر المكعب، ثم قال لهم الفريق كامل: باقول لكم إيه، سبعة جنيه للمتر المكعب. ظهرت آثار الصدمة على وجوههم، وسألوا فى نفس واحد: إزاى؟ قال الفريق كامل: هذا مشروع قومى، ويكفى أن كلًا منكم سيكتب اسمه فى التاريخ، وهذا ما حدث فعلًا، إذ كتبت الأسماء على لوحة تذكارية فى منطقة الإسماعيلية شرق.
اللوحة الضخمة مكتوب عليها اسم كل شركة أسهمت فى حفر قناة السويس الجديدة. إنه المشروع القومى الذى يفخر كل مصرى ومصرية بأنه أسهم فيه، أو شهده، من أجل نفسه وأبنائه وأحفاده وبلده.
كلمة مواطن واحد
«الحاج فوزى» «الحاج شعبان» وغيرهما الكثير.. اجتمع الكل على موقف وكلمة مواطن واحد.. وقالوا: «هنشتغل بسبعة جنيه يا أفندم»! ومنهم من قال: «والله لو هنشتغل ببلاش، إحنا معاك، ويكفى إننا سنخبر أولادنا وأحفادنا بأننا ساهمنا فى حفر قناة السويس».
وتم تخطيط أماكن الحفر، وتحديدها ببيارق، واستقدام المعدات، وتم بناء منصة العرض من أجل التدشين الذى سيحضره الرئيس السيسى، وتوقيع قرار بدء الحفر.
وقبل توقيع القرار، سأل الرئيس السيسى عن الفترة التى سيستغرقها الحفر.. الفريق مهاب مميش أخبر الرئيس بأن الفترة المتوقعة هى ثلاث سنوات على أقل تقدير، فى حال تم استخدام كل المعدات الموجودة دون استثناء.. اعتبر الرئيس الفترة طويلة جدًا.
الفريق كامل أخبره بأنه فى حال تمت تعبئة كل المعدات المملوكة للدولة والمملوكة للشركات، فإن الأمر بالفعل سيستغرق ثلاث سنوات، فى حال دار العمل على قدم وساق، لا سيما وأن كل حفار أو معدة لها حد أقصى فى العمل يوميًا.. فطرح الرئيس السؤال بشكل مختلف: ما الذى يمكن أن نفعله حتى تختصر المدة..
أجاب الفريق كامل بأن الحل الوحيد هو زيادة عدد المعدات! فقال الرئيس: هذا يعنى أن الأمر ليس مستحيلًا.. رد الفريق كامل: ليس مستحيلًا، فقط صعب جد! فقال الرئيس: طالما ليس مستحيلًا، فيمكننا إنجازه! فأخبره الفريق كامل بأنه لو تم توفير ضعف عدد المعدات، فيمكن اختصار المدة لعامين ونصف العام! فرد الرئيس: «ما ينفعش يبقوا سنة واحدة؟» قال الفريق كامل بثقة: «هذا هو المستحيل».. لماذا؟ لأنه لن يكون فى الإمكان العثور على كل المعدات المطلوبة بالعدد المناسب لإنهاء العمل فى عام واحد! فقال الرئيس: ربنا يسهل!
مدة الإنجاز عام واحد
وفى يوم الاحتفال ببدء الحفر، تحدث الرئيس مع الفريق كامل، وأخبره «على الهواء مباشرة» بأن مدة الإنجاز عام واحد.. «هى سنة واحدة.
هتجيب شنطتك، وتقعد هنا، والسنة الجاية نيجى ناخدك معانا وإحنا راجعين بعد ما تخلص الحفر، وتسلمنا قناة السويس فى سنة»..
مساء يوم الاحتفال ببدء حفر القناة، اتصل الرئيس السيسى بالفريق كامل الذى لم يبرح استراحته بالقرب من موقع الحفر، وسأله عن المطلوب بالضبط، فأخبره بأنه سيستخدم المعدات التابعة للهيئة الهندسية، وتلك الموجودة فى المستودعات لوقت الطوارئ، بالإضافة إلى المعدات الأخرى المتاحة.
تدريب عملي
واعتبر الرئيس ضلوع سلاح المهندسين فى أعمال الخدمة الوطنية بمثابة تدريب عملى وواقعى للضباط والجنود على البناء والتشييد الفعليين.. ففى الحروب والأزمات، تبنى الجيوش الطرق وتشيد الجسور، وهو ما تطلب استقدام المعدات الحديثة وتحديث الموجود طيلة الوقت بتوجيه من الرئيس السيسى.
حفر قناة السويس الجديدة دفع مصر إلى مزيد من التحديث، وبدلًا من الاكتفاء بالبلدوزر الروسى الذى يحفر ثلاثة أمتار مكعبة فى اليوم، تمكن حفار «كوماتسو» من حفر 60 مترًا مكعبًا فى اليوم.
رجال الأعمال الوطنيون
وبرز دور رجال الأعمال الوطنيين المخلصين فى ملحمة حفر قناة السويس الجديدة من أصحاب توكيلات المعدات العملاقة، والذين تدخلوا لتوفير المطلوب فى وقت قياسى، والتنازل عن الأرباح، والمصروفات الإدارية والشحن وغيرها، وإحضار المعدات العملاقة فى وقت قياسى بلغ أيامًا عدة.. وتدخل الرئيس كعادته لتخفيض الأسعار.
وتم شحن معدات من ألمانيا، وأخرى من أمريكا، وتحويل شحنات كانت فى طريقها إلى دول أخرى إلى الموانئ المصرية.. حتى مشكلة توفير عدد كافٍ من سائقى المعدات، تم حلها عن طريق استقدام السائقين من الشركات وتحفيز أصحابها على السماح لهم بتأجير المعدات بالساعة بعد الانتهاء من حفر القناة.
فول وطعمية وباذنجان
وبدأت أعمال الحفر، وما هى إلا أيام، حتى أبلغ الرئيس الفريق كامل بأنه سيزور موقع العمل فى صباح اليوم التالى، وأمره بأن تبقى الزيارة سرًا،
حيث لا إجراءات تأمين أو تجهيز أو غيرها. قال الرئيس للفريق كامل: «انت بس قابلنى فى المهبط (مهبط الطائرة)، ونمشى نبص كده على الشركات، ونسلم على المقاولين وعلى الناس، ونرفع معنوياتهم».
الفريق كامل من جهته تصرف بسرعة، وطلب إفطارًا لليوم التالى، بحجة أنه سيتناول وجبة الصباح مع السائقين والعمال فى الموقع.
تم شراء كل الفول والطعمية والباذنجان والمخلل من محلات الفول والفلافل فى الإسماعيلية فجر اليوم التالى. بعدها بقليل، هبطت طائرة الرئيس، وركب الرئيس السيسى السيارة التى يستخدمها الفريق كامل فى الموقع.
وقاد السائق السيارة فى مسار الحفر حيث كل شركات المقاولات.. وترجل الرئيس ومعه الفريق كامل، وسارا تقريبًا من الإسماعيلية إلى قرب الدفرسوار. سلم على السائقين، والعمال. وتحول اليوم إلى ملحمة حقيقية، وبرهان على شعبية الرئيس، ودليل على روعة المشروع القومى الذى أعاد غرس الحماس والعزيمة والإصرار فى قلب كل مصرى.
وجلس الرئيس مع الجميع، وأكلوا الفول والطعمية والباذنجان والمخلل، وتحدث معهم حديث الأب إلى أبنائه، والأخ إلى إخوته، والرئيس إلى المصريين..
وقال الرئيس بصراحة: إنه يعرف أنه تم الضغط عليهم لخفض الأسعار، ولكن المصلحة العامة لمصر كانت تحتم ذلك، وأن الجميع سيكافأ بعد انتهاء العمل فى القناة، فما كان من كل الحاضرين إلا أن أكدوا وكأنهم فى نفس واحد: «مش عايزين فلوس.. إحنا يا أفندم هنشتغل علشان بلدنا».
الإنسان هو الأساس
ومع انتهاء الصيف وقرب الشتاء، وجّه الرئيس باتخاذ كل ما يلزم من أجل توفير الحماية لهم من برودة الجو، من حيث أماكن المبيت ومطبخ مجهز وحمامات مزودة بمياه ساخنة، وغيرها، لا سيما أن كل معدة كان تتناوب عليها ثلاث ورديات فى اليوم الواحد، ما يعنى أن كل سائق أو عامل كان يحتاج إلى مكان للراحة وتناول وجبة ساخنة وأخذ قسط كاف من النوم.
ليس هذا فقط، بل تحول حفر القناة على مدار عام إلى قصة نجاح حقيقية لتعاون كل أجهزة الدولة لتقديم الدعم والمساندة. وفرت وزارة الصحة سيارات ومعدات الإسعافات الأولية للطوارئ، وزارة التضامن الاجتماعى وفرت الأغطية والبطاطين والجاكيتات الثقيلة للعمل والسائقين. حتى المواطنين العاديين، كانوا يحرصون على التعبير عن دعمهم وحماسهم وفرحهم بالمشروع، فمنهم من كان يأتى بهدايا للعمال، أو وجبات طعام.
التحديات كانت كثيرة، لكن فى كل مرة يظهر فيها تحد من شأنه أن يهدد أعتى شركات الحفر العالمية، ويختبر قدراتها التقنية والبشرية، كان المصريون يجدون الحلول.. على سبيل المثال لا الحصر، ابتكر المهندسون المصريون طريقة للحفر تحت الماء باستخدام المعدات الجافة، وبخطوات محسوبة بعناية فائقة، وذلك لتوفير الكلفة والوقت.. وحين واجهوا مشكلات مثل انسداد آلات الحفر بالألياف، تم حلها باستخدام مصاف «بدائية» لا تخطر على بال أحد، ولكنها حلت المشكلة، وتم استئناف الحفر بدون مشاكل.
قوى الشر
قوى الشر دائمًا تحاول غرس العراقيل ونشر الأكاذيب والتشكيك وزرع عدم الثقة بين المصريين وقيادتهم. وقناة السويس الجديدة والمشروعات العملاقة المتصلة بها ليست استثناء، بل كانت على رأس قائمة أذناب جماعة الإخوان.
كم مذهل من الشائعات بذل ذبابهم الإلكترونى جهودًا ضخمة لنشرها، ولكن المصريين كانوا لها بالمرصاد.. محاولاتهم كانت كثيرة، ووأد أغلبها جاء من قبل المصريين أنفسهم.
ورغم أن الفريق كامل الوزير كان يعقد مؤتمرًا صحفيًا كل يوم خميس طيلة فترة حفر القناة، وذلك لإطلاع وسائل الإعلام أولًا بأول على ما تم إنجازه، والإجابة عن الأسئلة، إلا أن الرئيس اتصل به ذات يوم، فوجده مهمومًا، وحين سأله عن السبب، قال: إن أحد العمال توفى فى ذلك اليوم فى موقع العمل.. وبقدر الحزن على المصرى البطل الذى فقد حياته أثناء تفانيه فى العمل، إلا أن الرئيس وجّه بالإعلان عن سقوط أول شهيد فى حفر قناة السويس الجديدة أمام الإعلام فى اليوم التالى.
ماكينات الشائعات
ورغم ذلك، فإن شائعات الجماعة ومحاولاتها المسمومة لم تتوقف، فبين شائعة وفاة 300 عامل دفعة واحدة، وغيرها من محاولات التقليل من أهمية المشروع القومى العملاق، ظلت ماكينة الكذب تدور، لكن ماكينة العمل والإرادة كانت أقوى وأسرع.
تفاصيل الملحمة كثيرة، وكيفية تعامل الرئيس معها متفردة، وكل منها يستحق كتابًا أو عملًا دراميًا قائمًا بذاته. مرة أخرى، الأمثلة كثيرة، ولكن أبرزها كان اكتشاف عدد من جثامين جنود مصريين من شهداء حرب أكتوبر 1973، والذين تم التعرف عليهم، ودفنهم فى مراسم عسكرية تليق بهم.
ومع القصص الإنسانية الرائعة والمؤثرة، قصص أخرى سخيفة وغير مؤثرة، مثل ماكينات الشائعات التى ظلت مصاحبة لعملية الحفر التاريخية، والتى تمكن المصريون مجددًا من مواجهتها بالوعى والثقة والإيمان.
التمويل قصة قائمة بذاتها
وحتى هذه اللحظة، وبعد مرور عقد كامل على افتتاح قناة السويس الجديدة، ما زالت قصة توفير التمويل اللازم لهذا المشروع القومى الجبار تذهل وتدهش من لا يعرف المصريين. إنها قصة قائمة بذاتها..
أيقن الرئيس السيسى أن توفير التمويل اللازم لهذا المشروع القومى الضخم عن طريق قرض سيزعج المصريين، فهذا مشروعهم، وهذه قناتهم، وهم الذين حفروها من قبل وبذلوا من أجلها المال والدم والعرق، ومن أجله خاضوا حروبًا وسقط شهداء وتحقق الانتصار العظيم، فكان الموعد مع انتصار آخر عظيم سطّره المصريون فى كل ركن من أركان مصر متمثلا فى فكرة الرئيس: اكتتاب عام لكل الشعب المصري، وكل مصرى ومصرية «يدفع إللى يقدر عليه». ولكن سيتم التعامل مع هذه الأموال كأنها ودائع فى البنوك، تولد فائدة، ويكون الجميع مستفيدًا، وأولهم مصر.
وكان موعد مصر والمصريين مع ملحمة جديدة، ملحمة التمويل. أطلق الرئيس السيسى فكرة الاكتتاب العام لتمويل قناة المصريين الجديدة، وتم جمع 74 مليار جنيه مصرى فى ستة أيام فقط. لم يكن هذا مجرد تمويل لمشروع، بل كان عملية توثيق للعقد الاجتماعى بين القيادة والشعب.
وقصص المصريين البسطاء الأوفياء أكثر من أن تعد أو تحصى. منهم من «طلع إللى تحت البلاطة»، ومنهن من باعت قرطها الذهبى، ومنهم من شارك بأقل القليل، وأكثر الكثير، والكل هدفه واحد: بناء قناة المصريين الجديدة بأموال المصريين.
المفاجأة هى أن المبلغ الذى دفعه المصريون فاق الكلفة المتوقعة لحفر القناة بكثير.
وهنا كان موعد مصر مع قصة نجاح وإصرار وعزيمة جديدة تعنى الكثير لكل مصرى ومصرية.. بطلها الرئيس، وغايتها بلوغ الهدف بذكاء وكفاءة وحنكة وإصرار.
افتتاح أسطورى
وقد كان.. فى 6 أغسطس عام 2015، افتتح الرئيس والمصريون قناة السويس الجديدة فى احتفال تاريخى لتقدم مصر للعالم قصة نجاح متفردة التفاصيل.. عام من العمل الدءوب والمستمر، والعزيمة التى لا تلين، والإصرار الذى لا ينال منه مشكلة هنا أو معضلة هناك.. آلاف المصريين من عمال وفنيين ومهندسين. أياد مصرية مائة فى المائة، وعزيمة مصرية ألف فى المائة، ورئيس مصرى مليون فى المائة.
قصة قناة السويس الجديدة أكثر من مجرد حفر قناة. «هى تجسيد لمعنى إرادة شعب».
القناة التى تطل على العالم اليوم بطول 35 كيلومترًا، بموازاة قناة السويس الأصلية البالغ طولها 190 كيلومترًا ضمنت مرور السفن فى الاتجاهين دون توقف فى مناطق انتظار داخل القناة قللت زمن العبور، وهو ما أسهم فى زيادة الإقبال العالمى على استخدام القناة، لولا فقط الأحداث الإقليمية وحرب غزة.
والمتوقع أن تعود الأمور إلى سابق عهدها، وتحقق المرجو منها بتغذية الاقتصاد المصرى وإنعاش المشروعات المرتبطة بالقناة، وهو ما سينعكس خيرًا ونماءً وتحقيقًا لطموح كل مصرى ومصرية. ويشار إلى أنه فى عام 2018/2019، أسهمت القناة الجديدة فى تحقيق أعلى إيراد سنوى فى تاريخ القناة.
معجزة بشهادة الجميع
ويبدو أن المصريين بقيادة الرئيس السيسى كانوا قد اتخذوا قرارًا بعدم إغلاق صفحة ملحمة حفر قناة السويس الجديدة. انتهى الحفر، وكل ما يرتبط بتجهيز القناة الجديدة للعمل فى عام واحد، وهو معجزة بشهادة الجميع. ورغم ذلك، لم ينته العمل والبناء.
حفر المصريون أنفاقًا عملاقة أسفل قناة السويس!
كانت «هيئة قناة السويس» قد رسمت خطة فى عام 2014 لتطوير محور قناة السويس. شملت خطة التطوير حفر عدد من الأنفاق أسفل القناة، وإنشاء واد للتكنولوجيا الذى يرتبط بالإسماعيلية وقنطرة شرق وقنطرة غرب، بالإضافة إلى تشييد عدد من الكبارى العائمة.
وكان الهدف هو زيادة الدخل من العملات الصعبة، وزيادة الطلب على القناة كممر ملاحى عالمي، وخفض كلفة الرحلة الملاحية، فضلا عن جعل مصر مركزا تجاريا ولوجيستيا عالميا.
وأنفاق أيضا
اقترح الفريق كامل الوزير على الرئيس السيسى البدء فى حفر الأنفاق المقترحة عقب الانتهاء من حفر القناة الجديدة. وتضمن المقترح استكمال الاعتماد على الشركات والخبرات المصرية، وذلك استكمالا لمنظومة الثقة فى الأيدى والقدرة والخبرات المصرية.
وسطر المصريون ملحمة جديدة، فتم حفر أنفاق قناة السويس، والتى تُعرف بأنفاق سيناء الجديدة، والبالغ عددها خمسة أنفاق على مرحلتين.. فقد تم افتتاح المرحلة الأولى منها فى مايو 2019 عقب الانتهاء من حفر أنفاق «تحيا مصر» فى الإسماعيلية، وأنفاق «3 يوليو» فى بورسعيد خلال ثلاث سنوات بدءًا من يوليو 2016 حتى مايو 2019.
كما افتتحت المرحلة الثانية بانتهاء نفق «الشهيد أحمد حمدى 2» فى السويس، والذى استغرق تنفيذه 28 شهرًا، ويسمح بمرور ألفى سيارة/ الساعة، أى بمعدل 40 ألف سيارة يوميا.
حفر الأنفاق قصة طموح وإرادة وعزيمة متفردة. بدلا من حفر نفق واحد، قال الرئيس: من يحفر نفقًا واحدًا، يحفر خمسة وستة أنفاق، لا سيما وأن قطار تنمية سيناء كان قد انطلق، ولن يتوقف، والتنمية تعنى حركة وحاجة إلى سيولة وسهولة فى التنقل.
24 ساعة استغرقها الفريق كامل الوزير ليعود إلى الرئيس عقب طرح فكرة الأنفاق. اتصل الفريق كامل بزملائه فى «الهيئة القومية للأنفاق» لمعرفة المطلوب وإن كانت القدرات والخبرات المصرية يمكنها القيام بالمهمة. وأجمع الكل على أن الشركات المصرية وحدها لم تتمكن من إتمام الحفر للأنفاق، فما كان من الفريق كامل إلا أن اتصل بشركة «أوراسكوم» وسؤال المهندسين المختصين، فجاءت الإجابة مجددا: من رابع المستحيل. يجب أن تكون معنا خبرات أجنبية لها خبرة عميقة فى حفر الأنفاق.
أصر الرئيس على أن يكون الحفر بأيدٍ وقدرات مصرية. أما المعدات، فقصة أخرى من قصص إصرار الرئيس على خفض الكلفة مع ضمان الجودة، وتدخله شخصيًا للاتفاق على شراء أربع ماكينات عملاقة مخصصة لحفر الأنفاق من شركة ألمانية.
فاوض الرئيس الشركة، ونجح فى تخفيض الأسعار تخفيضًا لم يكن على البال أو الخاطر. التحديات التى تواجهها مصر محطة فى مسيرة البناء، بناء الوطن، فهو كل ما يملك المصريون، وبناء الإنسان الذى لم ولن يستوى بناء الوطن بدونه.
هاشم: حوافز لدعم البرنامج الوطنى لتنمية الصناعة
خيوط الحلم النووى
قرى منسية تتحول إلى عواصم للرعاية الطبية المتطورة






