د. محمد سيد إبراهيم يكتب: 30 يونيو.. والتعليم يصنع الجمهورية الجديدة

د. محمد سيد إبراهيم
د. محمد سيد إبراهيم


لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو مجرد حدث سياسي في تاريخ مصر الحديث، بل كانت لحظة فاصلة استعادت فيها الدولة المصرية إرادتها الوطنية، وانطلقت بعدها نحو مرحلة جديدة من البناء والتنمية والتخطيط للمستقبل. وإذا كانت المشروعات القومية الكبرى، والمدن الجديدة، وشبكات الطرق الحديثة تمثل الشواهد المادية للجمهورية الجديدة، فإن الاستثمار في الإنسان المصري يظل الإنجاز الأهم والأكثر استدامة، باعتباره الركيزة الأساسية لأي نهضة حقيقية.

ومن هذا المنطلق، وضعت الدولة المصرية بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي التعليم في مقدمة أولوياتها، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن الأمم لا تُبنى إلا بعقول أبنائها، وأن التنمية المستدامة تبدأ من مدرسة وجامعة قادرتين على صناعة المعرفة وإعداد الكوادر المؤهلة لقيادة المستقبل.

لقد شهدت منظومة التعليم العالي خلال السنوات التي أعقبت ثورة 30 يونيو تحولًا نوعيًا غير مسبوق، سواء من حيث حجم التوسع في المؤسسات التعليمية، أو من حيث تطوير البرامج الدراسية، أو تعزيز الشراكات الدولية، أو ربط العملية التعليمية باحتياجات سوق العمل ومتطلبات الثورة الصناعية الرابعة والتحول الرقمي.

ولعل أحد أبرز ملامح هذا التحول يتمثل في مشروع الجامعات الأهلية، الذي يعد من أهم المشروعات القومية التعليمية في تاريخ مصر الحديث. فقد جاءت هذه الجامعات ترجمة عملية لرؤية القيادة السياسية نحو إتاحة تعليم جامعي متطور وعالي الجودة، قادر على مواكبة التطورات العالمية، وتقديم تخصصات حديثة تستجيب لاحتياجات الاقتصاد الوطني ومتغيرات سوق العمل.

لقد آمن الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ البداية بأن بناء الجمهورية الجديدة يتطلب تطويرًا جذريًا في الفكر التعليمي، والانتقال من التعليم التقليدي إلى التعليم القائم على الإبداع والابتكار وريادة الأعمال والتكنولوجيا الحديثة. ومن هنا جاء التوسع الكبير في إنشاء الجامعات الأهلية في مختلف أنحاء الجمهورية، لتصبح منارات علمية جديدة تفتح أبواب الأمل أمام آلاف الشباب المصري، وتوفر لهم بيئة تعليمية متقدمة تضاهي أرقى النظم التعليمية العالمية.

وفي صعيد مصر، كانت جامعة أسيوط الأهلية إحدى الثمار المضيئة لهذه الرؤية الوطنية الطموحة. فقد جاءت الجامعة امتدادًا للإرث الأكاديمي العريق لجامعة أسيوط، وحملت على عاتقها منذ اليوم الأول مسؤولية تقديم نموذج تعليمي حديث يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويعتمد على برامج أكاديمية متطورة ترتبط بصورة مباشرة باحتياجات التنمية وسوق العمل.

إن ما يميز الجامعات الأهلية اليوم ليس فقط ما تقدمه من برامج حديثة في مجالات الطب والهندسة والحاسبات والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والعلوم الإنسانية، وإنما قدرتها على بناء شخصية الطالب وتأهيله ليكون عنصرًا فاعلًا في مجتمعه، قادرًا على المنافسة محليًا وإقليميًا ودوليًا.

ولعل المتابع لخريطة التعليم العالي في مصر قبل عام 2013 وبعده يدرك حجم الفارق الذي أحدثته ثورة 30 يونيو. فقد انتقلت الدولة من مرحلة مواجهة التحديات والحفاظ على مؤسساتها إلى مرحلة بناء المستقبل وصناعة الفرص. وأصبح التعليم العالي أحد أهم أدوات القوة الشاملة للدولة المصرية، وأحد المحركات الرئيسية لتحقيق أهداف رؤية مصر 2030.

إن الجمهورية الجديدة التي نحيا تفاصيلها اليوم لا تقتصر على إنشاء المباني الحديثة أو تطوير البنية التحتية فحسب، وإنما تقوم في جوهرها على بناء الإنسان المصري الواعي والمتعلم والقادر على الإبداع. ولهذا كان الاستثمار في التعليم أحد أعظم رهانات الدولة المصرية خلال العقد الماضي، وهو رهان أثبت نجاحه من خلال ما تحقق من إنجازات ملموسة على أرض الواقع.

وفي ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو، نستحضر بكل الفخر والتقدير هذه المسيرة الوطنية الملهمة، ونؤكد أن ما تحقق في قطاع التعليم العالي يمثل نموذجًا واضحًا لكيفية تحويل الرؤية إلى واقع، والحلم إلى إنجاز، والطموح إلى مؤسسات تعليمية حديثة تصنع المستقبل.

لقد أعادت 30 يونيو للدولة المصرية قدرتها على الحلم والتخطيط والإنجاز، وجعلت من التعليم قضية أمن قومي وأولوية وطنية، فكانت الجامعات الأهلية أحد أبرز تجليات هذا التحول التاريخي، وإحدى الركائز الأساسية التي تسهم في ترسيخ دعائم الجمهورية الجديدة، وصناعة أجيال تمتلك العلم والمعرفة والقدرة على مواصلة مسيرة البناء والتنمية.

وستظل الجامعات المصرية، وفي مقدمتها الجامعات الأهلية، شاهدة على أن الاستثمار في الإنسان هو أعظم استثمار، وأن بناء العقول هو الطريق الأقصر لبناء الأوطان وصناعة مستقبل يليق بمصر وشعبها العظيم.


كاتب المقال : رئيس جامعة أسيوط الأهلية