رؤية اقتصادية

إعادة تشغيل المصانع المغلقة

اللواء رفيق رزق
اللواء رفيق رزق


اللواء رفيق رزق 

 فى سياق اقتصادى يتسم بتحديات متراكمة وضغوط خارجية متصاعدة، يبرز ملف المصانع المغلقة والمتعثرة كأحد أهم الملفات التى تعكس قدرة الدولة على استعادة طاقتها الإنتاجية من الداخل. فالمصنع المتوقف ليس مجرد منشأة خرجت من الخدمة، بل هو مورد اقتصادى معطَّل يحمل فى داخله إمكانية استعادة النمو، وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية، وتعزيز قدرة الصناعة الوطنية على المنافسة. ومن هنا، يصبح دعم هذه المصانع ليس مجرد إجراء تصحيحي، بل خيارًا استراتيجيًا يعكس رؤية أوسع لإعادة بناء القاعدة الصناعية المصرية.


تُظهر التجربة الاقتصادية أن إعادة تشغيل مصنع قائم أكثر كفاءة من إنشاء مصنع جديد. فالبنية التحتية موجودة، وخطوط الإنتاج قابلة للاستعادة، والعمالة تمتلك خبرة سابقة، ما يجعل تكلفة الإحياء أقل بكثير من تكلفة التأسيس. هذا المنطق الاقتصادى ينسجم مع توجه الدولة نحو تعظيم الاستفادة من الأصول القائمة، وتقليل الهدر، ورفع كفاءة استخدام الموارد الصناعية. إن تحويل الأصول المعطلة إلى طاقة إنتاجية نشطة يمثل خطوة مباشرة نحو رفع معدل النمو الصناعى دون أعباء مالية ضخمة.. كما أن تشغيل المصانع المتوقفة يساهم فى تقليص فجوة الاستيراد، وهى إحدى أكثر النقاط حساسية فى الاقتصاد المصرى. فكل سلعة تُنتج محليًا تعنى تخفيف الضغط على الاحتياطى النقدى، وتقليل التعرض لتقلبات الأسواق العالمية، وتعزيز قدرة الدولة على إدارة التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد. الاعتماد على الإنتاج المحلى عنصرًا من عناصر الأمن الاقتصادى وليس مجرد خيار صناعي.
البعد الاجتماعى لهذا الملف لا يقل أهمية. فالمصنع المغلق يعنى توقف دورة اقتصادية كاملة: عمال فقدوا وظائفهم، موردون فقدوا منافذهم، ومجتمعات محلية فقدت مصدرًا رئيسيًا للدخل. إعادة تشغيل هذه المصانع تعنى إعادة بناء شبكات العمل والإنتاج، وخلق فرص تشغيل مباشرة وغير مباشرة، وتعزيز الاستقرار الاجتماعى فى المناطق الصناعية.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذا التوجه لا يأتى بمعزل عن اهتمام حكومى وبرلمانى واضح. فقد ناقش مجلس النواب خلال دوراته الأخيرة ملف المصانع المتعثرة باعتباره أولوية وطنية، وطالب بتسريع إطلاق منصة رسمية لحصر المصانع المغلقة وتحديد احتياجاتها. كما أعلنت الحكومة عن حزمة تيسيرات تشمل إعفاءات من الغرامات، ومددًا زمنية للتنفيذ، وإعادة هيكلة إجراءات التراخيص، وهى خطوات تعكس رغبة مؤسسية فى إعادة دمج هذه المصانع فى الاقتصاد الرسمى.
إن دعم المصانع المغلقة هو فى جوهره إعادة صياغة للعلاقة بين الدولة والقطاع الصناعي. فهو يعكس انتقالًا من منطق الإدارة التقليدية إلى منطق التنمية الإنتاجية، ومن معالجة الأزمات إلى بناء القدرة. إنه إعلان بأن الصناعة ليست قطاعًا ثانويًا، بل ركيزة أساسية فى مشروع الدولة نحو اقتصاد أكثر صلابة واستدامة.
فى المحصلة، إعادة تشغيل المصانع المتوقفة ليست مجرد خطوة اقتصادية، بل هى تحول استراتيجى يعيد توجيه البوصلة نحو الإنتاج، ويمنح الاقتصاد المصرى فرصة لاستعادة قوته من الداخل. إنها خطوة صغيرة فى ظاهرها، لكنها تحمل فى جوهرها قدرة على إحداث تغيير واسع فى بنية الاقتصاد ومساره المستقبلى.