لا نأسف للأزعاج

وهكذا سقط حكم المرشد

إســـلام عفيفى
إســـلام عفيفى


لم يكن اصطفاف المصريين للتمرد والثورة والانتفاض ضد المرشد ومكتبه وزبانيته حدثًا منفصلًا عن حركة الشارع، ولا لحظة صنعتها مؤسسات الدولة ثم لحقت بها الجماهير، العكس هو الأقرب إلى الحقيقة: المجتمع تحرك أولًا، والغضب تراكم أولًا، وحركة مدنية واسعة بدأت أولًا فى نزع الغطاء السياسى عن حكم الإخوان، ثم جاء الاصطفاف حول الفريق أول عبدالفتاح السيسى باعتباره الرمز  والتعبير الأكثر وضوحًا عن رغبة المصريين فى استعادة الدولة من مشروع جماعة.
هذه نقطة جوهرية، لأن الجدل الذى أحاط بثورة 30 يونيو تعمد فى كثير من الأحيان القفز فوق ما سبقها، اختُزلت الصورة فى لحظة النهاية، وتجاهلت السرديات المعادية للثورة أن المجتمع المصرى كان قد دخل بالفعل فى أزمة ثقة عميقة مع الحكم، الشرعية لم تكن تنهار بسبب خلاف عابر أو أزمة خدمات، بل لأن المصريين شعروا أن العقد السياسى نفسه تعرض للكسر.
الشرعية فى أى دولة ليست ورقة تُمنح مرة واحدة ثم تصبح حصانة دائمة، هى علاقة مستمرة بين الحاكم والمجتمع، حين يضيق الحاكم مساحة المشاركة، ويُدار الوطن لصالح تيار واحد، وتصبح المؤسسات موضع ضغط، ويتحول الخلاف السياسى إلى استقطاب وجودى، تفقد الانتخابات وحدها قدرتها على حماية السلطة، هنا تبدأ الشرعية فى التآكل حتى لو بقيت النصوص الرسمية كما هى.
وهذا ما جرى المصريون لم يثوروا فقط على سوء الإدارة، بل على شعور متزايد بأن الدولة نفسها تُعاد صياغتها خارج توافقهم، لم تعد الأزمة فى الكهرباء والوقود والاقتصاد وحدها، رغم أهميتها، بل فى أن الحكم بدا منفصلًا عن طبيعة المجتمع المصرى وتعدده، وغير قادر على بناء شراكة وطنية، ومصرًا على إدارة الدولة بعقلية الجماعة.
من هنا ظهرت حركة «تمرد»، أهميتها لم تكن فقط فى جمع التوقيعات، بل فى أنها أعادت السياسة إلى المجتمع، حولت الاعتراض من أحاديث متفرقة إلى فعل منظم، ومن غضب منزلى إلى موقف عام، ومن معارضة حزبية محدودة إلى حركة اجتماعية واسعة، لهذا قالت بعض التغطيات الأجنبية إن جذور سقوط حكم مرسى كانت فى حركة مدنية؛ لأن المبادرة جاءت من الشارع، من شباب ومواطنين وعرائض ومتطوعين، لا من قرار نزل على الناس من فوق.
هذا المعنى يفسر لماذا كانت الحشود بهذه الضخامة والانتشار، لم يكن المشهد محصورًا فى ميدان واحد، بل امتد إلى القاهرة والإسكندرية ومدن ومحافظات عديدة، هنا سقط الادعاء بأن ما جرى كان تعبيرًا عن نخبة سياسية أو مؤسسات مُعادية للجماعة، الحشود كانت أوسع من الأحزاب، وأكبر من التنظيمات، وأوضح من أن تُختزل فى مؤامرة.
وحين خرجت الملايين، لم تكن تبحث فقط عن رحيل رئيس، بل عن استعادة الدولة من حالة الغموض التى دخلت فيها، هنا بدأ الاصطفاف حول الرجل الذى انحاز لإرادة الملايين، ولم يكن بأى حال يبحث عن منصب أو مكاسب بعد أن غامر بالمنصب كقائد عام بل غامر بحياته فكانت تضحياته وشجاعته تأشيرة مرور لقلوب المصريين العاشقين للقوات المسلحة وقادتها، فجاء اختياره تكليفًا ولسان حال البسطاء فى كل مكان على أرض مصر  يطلبون: حماية الدولة، إعادة التوازن، ومنع مشروع الجماعة من الاستمرار فى إعادة تشكيل الوطن على مقاسه، وأن الفريق أول هو الوحيد القادر على ترجمة هذه المطالب. 
الاصطفاف هنا لم يكن تقديسًا لشخص، بل كان بحثًا عن مركز وطنى تتجمع حوله إرادة شعبية مشتتة، حين يشعر مجتمع بأن دولته مهددة، فإنه لا يبحث أولًا عن خطاب نظرى، أو شعبوى، بل عن قدرة، والمصريون رأوا فى السيسى آنذاك تعبيرًا عن هذه القدرة؛ قدرة على الحسم، وحماية المؤسسات، ووقف الانزلاق، وإعادة تعريف حدود الدولة فى مواجهة تنظيم عابر للحدود.
هذا هو الفارق الذى حاولت بعض السرديات تجاهله: الشعب لم يُستدعَ لتأييد السيسى، بل إن السيسى صعد داخل المشهد لأن الشعب كان يبحث عن رمز لاستعادة الدولة، الاصطفاف جاء نتيجة لفراغ سياسى وأمنى عميق، ولإحساس أن البلاد تحتاج إلى من يمنع انتقالها من أزمة حكم إلى أزمة وجود.
المفارقة أن هذه الحقيقة لم تبقَ حبيسة الرواية المصرية، فرغم أن دوائر سياسية وإعلامية وأجهزة خارجية أظهرت انحيازًا واضحًا لجماعة الإخوان، فإن عددًا معتبرًا من الصحف الغربية لم يستطع تجاهل ما رآه، وصفت الملايين، ورصدت اتساع الاحتجاجات، وكتبت عن الجذور المدنية لحركة تمرد، وعن أخطاء حكم مرسي، وعن الاستقطاب والجمود الاقتصادى وانفصال الرئاسة عن الواقع.
أهمية هذه الشهادات لا تكمن فى أننا نحتاج إلى اعتماد خارجى للثورة، بل فى أنها جاءت من بيئة لم تكن مُؤهلة أصلًا لتبنى الرواية المصرية، بعض هذه الصحف استخدم توصيفات مترددة أو مُركبة، وبعضها لم يخفِ تحفظاته، لكن حتى المتحفظين اضطروا إلى الاعتراف بأن الشارع سبق الجميع، وأن حجم الاحتجاج لم يكن تفصيلًا يمكن تجاهله.
وهنا تظهر الحقيقة التى لا تريد الجماعة الاعتراف بها: سقوطها لم يبدأ من خارج الحكم، بل من داخل تجربتها، هى التى أغلقت المجال، ورفضت التوافق، وأضعفت الثقة، وأدارت الدولة بمنطق التنظيم، الشارع لم يُسقط حكمًا ناجحًا، بل أعلن أن التجربة فقدت صلاحيتها السياسية والاجتماعية.
التغطيات الغربية الأكثر موضوعية لم تنصف الثورة لأنها تبنت كل ما جرى بعدها، بل لأنها فصلت بين موقفها السياسى من الدولة المصرية وبين قدرتها على رؤية الواقع، رأت أن الملايين خرجت، وأن حركة مدنية قادت التعبئة، وأن الغضب كان حقيقيًا، وأن الجماعة ساهمت بأدائها فى صناعة سقوطها.
وفى رأيى، القيمة الأعمق لهذه اللحظة أن المصريين استعادوا حقهم فى تعريف الشرعية، لم يتركوا هذا الحق للعواصم الأجنبية، ولا لمؤسسات إعلامية خارجية، ولا لتنظيم يعتقد أن الصندوق يمنحه سلطة مفتوحة على المجتمع، قالوا بوضوح إن الانتخابات بداية للشرعية وليست نهايتها، وإن الحاكم الذى يهدم العقد الوطنى لا يستطيع الاحتماء بورقة انتخابية إلى الأبد.
لهذا فإن اصطفاف المصريين حول السيسى لم يكن خروجًا عن إرادة الشعب، بل إحدى صورها، الشعب هو الذى خلق اللحظة، وهو الذى منحها معناها، وهو الذى رأى فى السيسى طريقًا لاستعادة الدولة، ومن هنا جاءت قوة العلاقة بين من يجسد كل هذا الطموح وبين الشارع فى تلك المرحلة: لأنها لم تبدأ من سلطة تطلب التأييد، بل من مجتمع يبحث عمن يجسد مطلبه.
وقد كان من السهل على الصحافة الغربية أن تكرر سردية واحدة منحازة للجماعة، لكن حجم المشهد فرض نفسه، ملايين فى الشوارع، حركة مدنية واضحة الجذور، فشل سياسى لا يمكن إنكاره، ومجتمع يعلن أنه لم يعد يقبل الاستمرار فى المسار نفسه.
هذه هى الحقيقة التى أنصفتها التغطيات الأكثر موضوعية: أن المصريين لم يكونوا أداة فى يد أحد، بل كانوا صانعى الحدث، وأن السيسى تم استدعاؤه وسط لحظة شعبية كبرى بوصفه عنوانًا لاستعادة الدولة.
فى النهاية، لم يكن السؤال فى 30 يونيو: من يملك السلطة؟ بل: من يملك مصر؟ الجماعة تصورت أن الفوز يمنحها صك الملكية للأرض والشعب و حق إعادة صياغة الدولة، بينما قال المصريون إن الدولة أوسع من أى تنظيم، وإن هويتها لا تُختزل، وإن الشرعية لا تبقى إذا انقطعت عن المجتمع، وأننا أصحاب الوطن.
لهذا اصطفوا حول السيسى، لا لأنهم تخلوا عن إرادتهم، بل لأنهم أرادوا حمايتها، ولا لأنهم بحثوا عن بديل للشعب، بل لأنهم بحثوا عن رجل يعيد للشعب دولته، وهذه هى الحقيقة التى لم تستطع حتى صحف غربية بعيدة عن الرواية المصرية أن تتجاهلها.