ينطبق المثل القائل «جزاء المعروف غدر»، على الاعتداءات الإيرانية على سلطنة عُمان، الدولة التى اختارت أن تكون جسرًا للحوار، لا ساحة للصراع، وتتبنى نهج «صديق للجميع، لا عدو لأحد»، الذى أكسبها لقب «سويسرا الشرق الأوسط».
وتحافظ عُمان على قنوات تواصل مفتوحة مع طهران فى أصعب الظروف، واستضافت مفاوضات أسهمت فى تخفيف حدة أزمات كادت أن تدفع المنطقة إلى مواجهات واسعة، ورغم ذلك، وجدت نفسها، مثل سائر دول الخليج، تواجه اعتداءات سافرة، ألحقت أضرارًا بالملاحة والتجارة فى خليج عُمان.
وكان رد الفعل العُمانى سريعًا وحاسمًا دفاعًا عن أمنها القومى، واستدعت السفير الإيرانى وسلّمته مذكرة احتجاج شديدة اللهجة، أكدت فيها أن استهداف المنشآت والسيادة الوطنية يعد «عملًا غير مسئول»، مطالبة طهران بالالتزام التام بالقوانين الدولية، ومبادئ حسن الجوار.
وعلى الصعيد الميدانى، رفعت السلطنة جاهزيتها العسكرية والأمنية لحماية منافذها الحيوية، وكثفت دورياتها فى مضيق هرمز وبحر عُمان، لضمان أمن الملاحة وسلامة ناقلات النفط التجارية ضد أى تهديدات مُحتملة، ولتعزيز منظومة الردع، أجرت مسقط تنسيقًا أمنيًا وعسكريًا مع دول مجلس التعاون الخليجى والحلفاء الدوليين، لمواجهة أى عدوان يمس استقرار المنطقة وسيادة السلطنة.
ويعزز هذا المشهد الاعتقاد السائد بأن «الغدر الإيرانى» لن يكون السلاح الصامت الذى يقتل الثقة، تأكيدًا للدور العُمانى التاريخى فى الحياد الإيجابى، خصوصًا وأن إنكار الجهود، يعكس خللًا مزمنًا فى السياسة الإيرانية، يقوم على تغليب الاعتبارات العسكرية والأمنية على الحسابات الدبلوماسية، حتى عندما يتعلق الأمر، بدول سعت إلى تخفيف الضغوط عنها وفتحت لها أبواب الحوار.
وتعزز هذه الاعتداءات الانطباع بأن النظام الإيرانى يدير علاقاته الخارجية، وفقًا لمعادلة المصالح الذاتية، لا وفق مفهوم الشراكة أو الوفاء للدول التى وقفت إلى جانبه فى أوقات الأزمات، وعندما تتغير أولوياته، يتنكر لقيمة الأدوار التى أدتها الدول الصديقة فى كسر عزلته، وتخفيف الضغوط المفروضة عليه، لتصبح العلاقات خاضعة لحسابات القوة والمصلحة قبل أى اعتبارات سياسية أو أخلاقية.
وكانت سلطنة عُمان الوسيط الأكثر قبولًا لدى كل من طهران وواشنطن، واستثمرت رصيدها السياسى والدبلوماسى فى تقريب وجهات النظر بين الطرفين، إيمانًا منها بأن الحوار هو السبيل الوحيد لتجنب الانزلاق إلى صراعات مفتوحة.
ولا تدرك طهران أن اعتداءاتها، تبعث برسالة مقلقة إلى دول المنطقة والمجتمع الدولى، مفادها أن الوساطة قد لا تجدى نفعًا، مع طهران التى تثير الأزمات، وهو ما قد يدفع أطرافًا أخرى إلى إعادة النظر فى استعدادها للقيام بأدوار مماثلة مستقبلًا.
ورغم غدر الاعتداءات، يبدو أن عُمان، لن تُغلق قنوات التواصل، وتحرص على مواصلة مساعيها الحثيثة، لتقريب وجهات النظر ونزع فتيل الأزمات، وتمسكها بسياسة التوازن والوساطة، إيمانًا بأن الحوار هو الخيار الوحيد لحماية أمن الخليج وتجنب الحروب.


أحمد هاشم يكتب: مصر وإفريقيا.. إيد واحدة
متى تتوقف الهجمات؟!.. لا أحد يمكنه التنبؤ «٢»
ثقافة التعويض «2»






