كل يوم

عرق الفلاح و «الحياة الكريمة» «١-٣»

منصور كامل
منصور كامل


فى آلاف القرى الممتدة عبر ربوع المحافظات المصرية، لا يزال نهر الخير متدفقاً، ولا تزال البركة تصنع تفاصيل الحياة اليومية، هناك، على وجوه البسطاء، تُرسم ملامح طيبة فطرية لم تلوثها حسابات الرفاهية المادية الزائفة، ولم تغيرها مظاهر التحضر المبالغ فيه، حقولٌ مترامية الأطراف، صاغتها يد الخالق آيةً فى الجمال على امتداد البصر، لا تغذى العيون بجمال خضرتها فحسب، بل تُطعم بطون الملايين من خيراتها الثائرة من قلب الأرض.. فى هذه القرى، لا تعنى المصطلحات الرنانة شيئاً؛ فلو حدّثتهم عن «التضخم»، «معدلات النمو»، أو «عجز الموازنة»، لاستمعوا إليك فى صمتٍ وقور دون أن يغير ذلك من واقعهم شيئاً، إنهم لا يأبهون بالنظريات الاقتصادية الجافة، بل يترجمون الاقتصاد إلى لغتهم الفطرية الخاصة: «المعيشة».. «المعيشة» فى قاموس الريف هى نبض الحياة اليومية، هى ثمن متطلبات الأبناء، وقدرة السواعد السمر على تلبية احتياجات البيوت. وإذا ما سألت أحدهم عن حاله، لم تزد إجابته عن لسانٍ يلهج بالرضا قائلاً: «الحمد لله»؛ رضا اقتصاد القناعة الذى يسبق قناعة الاقتصاد.. منذ سنوات طوال، كنا نجلس حول آبائنا وأجدادنا فى أمسياتهم البسيطة، نستمع إلى أحاديثهم التى كانت فى جوهرها «مناقشات اقتصادية رفيعة المستوى» بمصطلحات بسيطة، كانوا يتحدثون عن أسعار الأسمدة، جودة التقاوى، وأجور «الأنفار» (العمالة الزراعية)، وكأنهم يديرون ميزانية مؤسسة كبرى، كانت همومهم تنحصر فى تسعير عرقهم ومقايضة تعبهم بستر الأيام.. وظل الحال على هذا المنوال، حتى مدت الدولة المصرية يد العون والاعتراف الجميل لهذه الفئة الصابرة، عبر المبادرة الرئاسية الأضخم «حياة كريمة»، لم تكن المبادرة مجرد مشروع خدمى، بل كانت نقطة تحول اقتصادى واجتماعى قلبت المفاهيم رأساً على عقب فى قلب الريف.. لقد دخلت المعدات والآلات لتصنع واقعاً جديداً؛ فتدفق الغاز الطبيعى، وجرت المياه الصالحة للشرب، واكتملت شبكات الصرف الصحى، وتأسست المدارس والمستشفيات الحديثة.. لقد فتحت هذه المبادرة أبواب الطموح والأمل أمام الملايين، وكأن أبواب السماء تفتحت لتمطر عليهم واقعاً كان حتى الأمس القريب أشبه بالرؤى والأحلام، إنها حكاية وطن قرر ألا يترك أحداً خلف الركب، ليظل ريف مصر سلة الغذاء، ومنبع الرضا، ورمز الكرامة الإنسانية.