هبطوا إلى قعر جهنم.. وما وجدوه داخل بئر برهوت أذهل العالم

موضوعية
موضوعية


على امتداد قرون طويلة، ظل اسم "بئر برهوت" يثير الرعب والدهشة في آن واحد، حتى أصبحت هذه الحفرة العملاقة الواقعة في صحراء محافظة المهرة شرق اليمن، واحدة من أكثر الأماكن غموضًا وإثارة للأساطير في العالم العربي، فقد تناقلت الأجيال قصصًا عن أرواح شريرة وجن وعفاريت تسكن أعماقها، وأطلق عليها السكان المحليون أسماءً مرعبة مثل "قعر جهنم" و"سجن الجن" و"محبس الأرواح".

- بئر برهوت.. أسرار المكان الذي قيل إن الأرواح تسكنه

لكن مع تطور العلوم الحديثة، بدأت الحقائق الجيولوجية تكشف جانبًا مختلفًا من هذه الحفرة العجيبة، لتتحول من أسطورة مرعبة إلى واحدة من أهم الظواهر الطبيعية والجيولوجية التي تستحق الدراسة والاستكشاف.

- أسطورة عمرها مئات السنين

تقع بئر برهوت في محافظة المهرة، أقصى شرق اليمن، في منطقة صحراوية نائية بين مدينة شحن والغيضة، وهي منطقة يصعب الوصول إليها نسبيًا، الأمر الذي ساهم في زيادة الغموض الذي أحاط بالمكان عبر التاريخ، ومنذ قرون طويلة، ارتبطت البئر بعشرات الروايات والأساطير الشعبية، إذ كان السكان المحليون يعتقدون أن الأرواح الشريرة والجن تتخذ من أعماقها مسكنًا دائمًا، وأن الاقتراب منها قد يجلب سوء الحظ أو الموت، حتى أن البعض كان يتجنب مجرد ذكر اسمها، وأدى هذا الخوف الشعبي إلى ظهور أسماء عديدة للبئر، منها "قعر جهنم"، و"خسفيت فوجيت"، و"سجن الجن"، وهي مسميات تعكس حجم الرهبة التي أحاطت بالمكان عبر الأجيال.

- أشهر بئر مرعبة في العالم العربي.. ماذا يوجد في قاع برهوت؟

زادت شهرة بئر برهوت بسبب ورود إشارات إليها في بعض الروايات والأقوال التراثية، حيث وردت نصوص منسوبة في كتب التراث الإسلامي تشير إلى منطقة برهوت باعتبارها مكانًا ارتبط بأرواح الكفار أو بالمياه غير المستحبة، وهو ما ساهم في ترسيخ الصورة الأسطورية للبئر في الوعي الشعبي.

كما تناقلت الأجيال حكايات تشير إلى أن الجن هم من قاموا بحفر البئر في عصور سحيقة، بينما ذهبت روايات أخرى إلى أنها استخدمت كمخبأ لكنوز ملوك حمير القدماء، أو كسجن للمردة والعصاة من الجن، ومع مرور الزمن، أصبحت بئر برهوت واحدة من أشهر الأساطير الجغرافية في شبه الجزيرة العربية.

- لغز جيولوجي حيّر العلماء

رغم الشهرة الكبيرة التي حظيت بها البئر، فإن الدراسات العلمية عنها ظلت محدودة للغاية بسبب صعوبة الوصول إليها، وعدم توفر الإمكانيات التقنية الكافية لاستكشاف أعماقها.

وتشير الدراسات الجيولوجية إلى أن بئر برهوت عبارة عن حفرة كارستية عملاقة تشكلت نتيجة ذوبان الصخور الجيرية بفعل المياه الجوفية على مدار ملايين السنين.

ويبلغ قطر فتحة البئر عند السطح نحو 30 مترًا، بينما يصل عمقها إلى حوالي 112 مترًا، ويتسع قطرها في القاع إلى ما يقرب من 116 مترًا، ما يجعلها واحدة من أكبر الحفر الطبيعية في المنطقة، ولا يصل ضوء الشمس إلى أجزاء واسعة من قاعها، الأمر الذي أضفى عليها مزيدًا من الغموض والرهبة.

- لماذا تنبعث الروائح الكريهة؟

كانت الروائح المنبعثة من بئر برهوت من أبرز الأسباب التي دفعت السكان للاعتقاد بأنها مكان غير طبيعي.

لكن الدراسات العلمية أوضحت أن هذه الروائح تعود بشكل رئيسي إلى تحلل الحيوانات والطيور التي تسقط داخل البئر وتموت فيها، بالإضافة إلى تحلل المواد العضوية الموجودة في القاع، وهو أمر طبيعي في مثل هذه التكوينات الجيولوجية المغلقة، كما أن انخفاض حركة الهواء داخل البئر يؤدي إلى تركيز هذه الروائح، ما يجعلها أكثر حدة عند الاقتراب من الفوهة.

- ما الذي وجده المستكشفون داخل أخطر بئر في العالم العربي؟

ظل الغموض يحيط بالبئر حتى عام 2021، عندما قرر فريق عماني متخصص في استكشاف الكهوف القيام بأول مهمة علمية متكاملة للنزول إلى قاع البئر، وضم الفريق عشرة أعضاء من المتخصصين في علوم الأرض واستكشاف الكهوف، بقيادة الدكتور محمد بن هلال الكندي، رئيس مركز استشارات علوم الأرض في سلطنة عمان.

وقد استخدم الفريق معدات متطورة وتقنيات تسلق واستكشاف حديثة، ما أتاح لهم الوصول لأول مرة إلى أعماق البئر وتوثيقها علميًا، ووصف أعضاء الفريق المهمة بأنها من أصعب وأخطر المهمات الاستكشافية التي قاموا بها في حياتهم.

- ماذا وجد العلماء داخل بئر برهوت؟

خلافًا لما توقعه الكثيرون، لم يجد الفريق العماني أي ظواهر خارقة للطبيعة أو مؤشرات على وجود ما ارتبط بالأساطير الشعبية، وبدلاً من ذلك، اكتشف الفريق عالمًا طبيعيًا مذهلًا داخل البئر.

فقد تبين أن المياه الجوفية تتدفق من جدران البئر عبر شقوق الصخور الجيرية، لتشكل شلالات صغيرة ومتوسطة الحجم تتساقط على جدرانها.

كما اكتشف الباحثون وجود تشكيلات جيولوجية نادرة من الصواعد والهوابط، وهي تكوينات كلسية تتشكل عبر آلاف وملايين السنين نتيجة ترسب المعادن، وبلغ طول بعض هذه التكوينات أكثر من تسعة أمتار، مما منح البئر مشهدًا جيولوجيًا فريدًا، حياة كاملة داخل القاع كشفت البعثة الاستكشافية أيضًا عن وجود نظام بيئي متكامل داخل البئر.

فقد عثر الفريق على:
أنواع متعددة من الضفادع.
أعداد من الثعابين غير العدائية.
أنواع مختلفة من الخنافس والحشرات، كائنات دقيقة تعيش في البيئات الرطبة،
بقايا طيور وحيوانات نافقة.

وأوضح الدكتور محمد الكندي أن وجود هذه الكائنات أمر طبيعي، وأنها استطاعت التكيف مع البيئة الخاصة داخل البئر.

وأكد أن الثعابين الموجودة هناك لا تمثل خطرًا طالما لم يتم إزعاجها.

- هل مياه بئر برهوت صالحة للشرب؟

من أكثر النتائج التي أثارت الدهشة خلال المهمة العلمية، اكتشاف أن المياه الموجودة داخل البئر ليست سامة كما كان يعتقد البعض، فقد قام الفريق بجمع عينات من المياه والصخور والتربة لإجراء تحاليل مخبرية عليها.

وأظهرت النتائج الأولية أن المياه عذبة نسبيًا، وأنها ناتجة عن تغذية مستمرة من المياه الجوفية، وقد دفع هذا الاكتشاف بعض الباحثين إلى التشكيك في كون هذه الحفرة هي نفسها "بئر برهوت" المذكورة في الروايات التاريخية القديمة.

- التفسير العلمي للبئر

يوضح خبراء الجيولوجيا أن بئر برهوت تنتمي إلى ما يعرف بالظواهر الكارستية، وتتشكل هذه الظواهر عندما تتسرب مياه الأمطار إلى باطن الأرض عبر الشقوق والفواصل الموجودة في الصخور الجيرية، فتقوم بإذابتها تدريجيًا على مدى ملايين السنين.

ومع مرور الوقت، تتكون كهوف ضخمة تحت سطح الأرض، وعندما تنهار أسقف هذه الكهوف، تظهر على السطح على هيئة حفر عملاقة، وهذا النوع من التكوينات موجود في العديد من دول العالم.

- هل توجد أمثلة مشابهة في العالم العربي؟

يؤكد الجيولوجيون أن بئر برهوت ليست الحالة الوحيدة من نوعها، ففي مصر، يوجد كهف وادي سنور بمحافظة بني سويف، الذي يعد أحد أجمل الكهوف الكارستية في العالم.

كما توجد تكوينات مشابهة في منطقة رأس محمد بجنوب سيناء، وفي العديد من مناطق المغرب العربي، خاصة كهف هرقل الشهير بمدينة طنجة، وتوجد أيضًا حفر كارستية عملاقة في المكسيك والصين والولايات المتحدة الأمريكية.

- بين العلم والأسطورة

رغم التفسيرات العلمية التي قدمتها البعثات الحديثة، لا تزال الأساطير المرتبطة ببئر برهوت حاضرة بقوة في الثقافة الشعبية، فالكثير من السكان المحليين ما زالوا يتجنبون الاقتراب من البئر، ويعتقدون أن المكان يحمل أسرارًا لم تكشف بعد.

ويرى علماء الأنثروبولوجيا أن هذه الأساطير تمثل جزءًا مهمًا من التراث غير المادي للشعوب، وتعكس الطريقة التي تعامل بها الإنسان قديمًا مع الظواهر الطبيعية غير المفهومة.

بئر برهوت وسياحة المغامرات
فتح نجاح البعثة العمانية الباب أمام التفكير في تحويل المنطقة إلى وجهة لسياحة المغامرات والاستكشاف العلمي.

ويرى الخبراء أن بئر برهوت تمتلك مقومات كبيرة لتصبح موقعًا سياحيًا عالميًا لعشاق المغامرات والجيولوجيا، شريطة توفير البنية التحتية المناسبة وإجراءات السلامة اللازمة.

كما يمكن أن تسهم الدراسات المستقبلية في تحويل الموقع إلى مركز علمي متخصص لدراسة الظواهر الجيولوجية والكهوف الطبيعية.

- هل انتهى الغموض؟

على الرغم من النجاحات العلمية الكبيرة التي حققتها بعثة الاستكشاف العمانية، فإن الكثير من الأسئلة لا تزال مطروحة حول تاريخ البئر، وعمرها الحقيقي، وعلاقتها بالروايات التراثية القديمة.

ويؤكد الباحثون أن بئر برهوت ما زالت تحتاج إلى المزيد من الدراسات الجيولوجية والبيئية والأثرية لفهم تاريخها بشكل كامل.

تبقى بئر برهوت واحدة من أكثر الظواهر الطبيعية إثارة وغموضًا في العالم العربي، فهي تجمع بين التاريخ والأسطورة والعلم في مشهد فريد يصعب تكراره. وبينما نجحت الدراسات الحديثة في كشف العديد من أسرارها، فإن سحرها وغموضها لا يزالان قادرين على إثارة الخيال الإنساني، لتظل هذه الحفرة العملاقة شاهدًا على قدرة الطبيعة على صنع أماكن تتجاوز حدود التصور، وتؤكد أن الحقيقة أحيانًا قد تكون أكثر إدهاشًا من الأسطورة نفسها.