«مهن الموت».. حكايات رجال دفعوا حياتهم ثمنًا لـ«لقمة العيش»

ضحايا مهن الموت
ضحايا مهن الموت


يستيقظون مع طلوع الفجر، يرتدون ملابس عملهم، يودعون أطفالهم بابتسامة، ويغادرون بيوتهم وهم يظنون أنهم ذاهبون لجمع ثمن رغيف الخبز، ولا يعلمون أنهم يمشون بأقدامهم نحو نهايتهم.

في كواليس هذا العالم، خلف بريق المدن والمصانع والمنتجات الفاخرة، تختبئ "مهن الموت"، وظائف مرعبة لا تطلب من صاحبها شهادات علمية أو خبرات، بل تطلب مقايضة واحدة قاسية: "حياتك مقابل قوت يومك"، في هذه المهن الخطأ الأول هو الخطأ الأخير، وثواني من التركيز تفصل بين أن يعود العامل إلى بيته كما ذهب، أو يعود في كفن.

 

- سقوط "سبايدر مان"

 

في قلب التضاريس الوعرة بمحافظة "الضالع" اليمنية، كان الشاب الثلاثيني "القعقاع بن عنتر" يظن أنه وجد أخيراً مفتاحاً سحرياً للهروب من ضيق الحال، بموهبة استثنائية وجسد يطوع الصخور، بدأ يتسلق المنحدرات الشاهقة والمواقع الخطرة بلا حبال أمان أو خوذة تحميه، يصور مغامراته ويبثها للعالم، ليمنحه المتابعون على منصات التواصل لقب "سبايدر مان اليمن".

لم تكن تلك المغامرات مجرد رغبة في استعراض القوة، بل كانت جهاداً مستميتاً من شاب يطارد مشاهدات وتفاعلاً لعله يؤمن حياة كريمة لأسرته التي تعيش في ظروف معيشية شديدة اوالفقر.

وفي يوم الحادث، اختار القعقاع أن يتحدى الطبيعة عند فوهة بركان "حرضة دمت" الخامد، وقف على الحافة الوعرة يتحدى الخطر، لكن قدمه خانته هذه المرة وفقد توازنه في لحظة خاطفة.

سقط "القعقاع" إلى عمق الفوهة البركانية السحيقة وسط صدمة من شاهدوه، لساعات طويلة وبسبب الحرارة المرتفعة بالداخل ووعورة المنحدرات، جاهدت فرق الإنقاذ حتى تمكنت من انتشال جثمانه الهامد.

 

- طُبخ حياً مع التونة


قبل أن تشرق شمس الحادي عشر من أكتوبر لعام 2012، كان العامل الستيني "خوسيه مالينا" مستعداً ليوم عمل آخر في مصنع "بامبل بي" الشهير لتعليب الأسماك بولاية كاليفورنيا الأمريكية.

لم يكن "خوسيه"، يعلم أن "بدلة" عمله الزرقاء التي يرتديها، ستتحول بعد ساعات قليلة إلى كفن، وأن خطوته داخل المصنع هي خطوته الأخيرة في الدنيا، كانت المهمة الروتينية لـه تقتضي أن يزحف بجسده داخل فرن ضغط صناعي عملاق يبلغ طوله 11 متراً، لإجراء أعمال صيانة وتنظيف سريعة قبل بدء وردية الإنتاج الصباحية، في تلك الأثناء، عاد زميل له إلى صالة الإنتاج، نظر حوله فلم يجد خوسيه، وبحسن نية قاتلة، خمن الزميل أن خوسيه غادر لـ "دورة المياه"، وبدأ في ملء الفرن الحديدي المخيف بـ 6 أطنان من علب التونة الجاهزة للطهي، ثم أغلق الباب الفولاذي بإحكام، وضغط زر التشغيل!

مرت الدقائق، وبدأ المشرف يلاحظ غياب "خوسيه"، انطلق صوته عبر مكبرات الصوت الداخلية للمصنع ينادي باسمه، "خوسيه مالينا.. مطلوب في صالة الإنتاج"، لم يرد أحد، فبدأت حالة من القلق تدب في المكان، انطلق العمال يفتشون عنه في الممرات، وخلف الماكينات، بل وخرجوا لتمشيط ساحة انتظار السيارات خارج المصنع بحثاً عن أي أثر له، بينما كان "خوسيه" في تلك اللحظات يواجه جحيماً لا يتخيله عقل بشر، محاصراً في عتمة الفرن المغلق تحت درجة حرارة مرعبة وصلت إلى 132 درجة مئوية!

بعد ساعتين كاملتين من البحث، انتهت دورة طهي الأسماك، أُطفئ الفرن وفُتح الباب الحديدي السميك لتتصاعد أبخرة الموت.. وهنا كانت الصدمة؛ لُقيت جثة "خوسيه" هامدة في القاع بعد أن طُبخ حياً مع أطنان التونة التي كان يجمع لقمة عيشه من ورائها.

لم تكن الحادثة مجرد "قضاء وقدر"، بل كانت نتاج إهمال بشع في تدابير السلامة، النيابة العامة في لوس أنجلوس لم تمرر المأساة، ووجهت اتهامات جنائية ثقيلة للشركة، ولمدير العمليات "أنخيل رودريغيز"، ومدير السلامة "ساول فلوريز"؛ لتعمدهم انتهاك بروتوكولات الأمان وقواعد الدخول للأماكن المغلقة، وعدم فصل التيار الكهربائي عن الآلات أثناء صيانتها.

 

- نفق الموت

 

في نهار يوم الخميس، 11 يونيو لعام 2015، كان هناك عامل، لم يتجاوز ال 19 من عمره، يقف في قاع خندق يبلغ عمقه نحو 4 أمتار في ساحة انتظار للسيارات بولاية كنتاكي، كان الشاب، ومعه زميل له، يمدان أنابيب الصرف الصحي في وردية عمل استمرت لـ 6 ساعات متواصلة، دون أن يكونا على علم أن جدار التراب فوقهما يتأهب للغدر.

لم تكن الشركة قد أمنت العمال بالشكل الكافي؛ فصندوق الحماية الحديدي كان قصيراً للغاية ولا يغطي عمق الخندق، تاركاً العمال تحت رحمة تلال التراب والكتل الخرسانية المعلقة في الأعلى، وفجأة، وبلا مقدمات، انهار الجدار العلوي وتدفقت أطنان من الأتربة والخرسانة ودفنت الشاب بالكامل تحت ركامها، بينما حوصر زميله الآخر من الخصر إلى الأسفل.

وتعالت صرخات زملائهم في الأعلى، واتصلوا فوراً بالطوارئ التي وصلت رفقة فريق إنقاذ متخصص في غضون دقائق، بدأت معركة شرسة مع الزمن تحت الأرض؛ كان العامل الثاني المحاصر محظوظاً، حيث بقي واعياً وهادئاً لمدة 4 ساعات ونصف حتى نجحوا في سحبه حياً ونقله للمستشفى، أما الشاب الصغير، فقد انقطعت أنفاسه وصوته تماماً تحت الركام، واستغرق انتشال جثته ساعتين إضافيتين، ليعلن المسعفون وفاته في مكان الحادث، وتنتهي حياته، ضحيةً لإهمال أبسط قواعد السلامة.

 

- نهر السعادة القاتل

 

لم يكن الشاب الأمريكي "فينسنت سميث" 29 عاماً يتخيل أن مادة الشوكولاتة اللذيذة التي تمنح البهجة للملايين حول العالم، ستكون هي ذاتها الكابوس الذي ينهي حياته بـ "أبشع" طريقة ممكنة، كان فينسنت يقف على منصة مرتفعة في مصنع معالجة الأغذية بنيوجيرسي، ومهمته الروتينية تقتضي إلقاء كتل الشوكولاتة الخام الصلبة داخل خزان صناعي ضخم، تدور في قاعه مجاذيف حديدية عملاقة لإذابة الشوكولاتة عند درجة حرارة تقارب الـ 50 مئوية.

في لحظة خاطفة، انزلقت قدم الشاب العشريني لتختل خطوته ويهوي من الأعلى مباشرة إلى قلب الخزان العميق، لم يكن الخزان مجرد وعاء سائل، بل كان يحتوي على "مجذاف الخلط المعدني" الذي يدور بقوة وعنف لتقليب المزيج اللزج الكثيف، لتصطدم كتل الحديد بجسد فينسنت بعنف، محاصرة إياه في القاع وسط السائل الساخن.

تعالت صرخات زملائه المفزوعين الذين هرعوا على الفور للوحة التحكم لإيقاف الماكينات وضخ الشوكولاتة، وحاولوا بكل الطرق الوصول إليه وإنقاذه، لكن طبيعة المادة الكثيفة والإصابات القاتلة التي سببتها شفرات الخلط جعلت المحاولات مستحيلة.

هرعت فرق الإطفاء والإنقاذ المتخصصة إلى المصنع، واستغرقت وقتاً طويلاً لتفكيك أجزاء الخزان، ليمدوا أيديهم في النهاية وينتشلوا جثمان "فينسنت" هامداً، تاركاً وراءه صدمة هزت قطاع التصنيع الغذائي في أمريكا، وحكاية مأساوية عن شاب ذاب عمره في حوض من الشوكولاتة الساخنة.

 

- نهاية واحدة

 

بين فوهات البراكين، وأعماق البالوعات المعتمة، وخطوط الإنتاج التي لا ترحم، توحدت مصائر رجال لا رابط بينهم سوى "الفقر" وضيق الاختيارات، اختلفت أسمائهم وجنسياتهم؛ ولكن تشابهت حكاياتهم وساقتهم لنهاية واحدة.