أحمد سلام
كلما سمعت الحديث عن المخاوف من فورة الذكاء الاصطناعي،عدت بذاكرتى إلى سنوات عملى الأولى بالهيئة العامة للاستعلامات فى ثمانينيات القرن الماضي، وأتذكر جيدًا كيف استقبل كثيرون دخول الحاسب الآلى إلى بيئة العمل بشيء من القلق، وكأننا أمام عالم جديد قد يغير كل شيء، ثم جاءت ثورة الإنترنت، وتكررت المخاوف ذاتها، واعتقد البعض أن التكنولوجيا ستقضى على كثير من الوظائف.
غير أن الأيام أثبتت أن الإنسان كان دائمًا أقدر على التكيف مما نتخيل، فقد تغيرت أدوات العمل، وظهرت تخصصات ومهن جديدة، وأصبح التعلم المستمر هو الطريق الطبيعى لمواكبة العصر.
ولقد علمتنى تلك السنوات أن التكنولوجيا لا تفرق بين صغير وكبير، لكنها تفرق بين من يتعلم ومن يكتفى بالخوف من التغيير.
ومن هذه التجربة الشخصية، ترسخت لدى قناعة بأن التكنولوجيا لا تستبدل الإنسان، لكنها قد تتجاوز من يرفض التعلم أو يتوقف عن تطوير مهاراته، وربما لهذا السبب أرى المشهد يتكرر مع الذكاء الاصطناعي، حيث يثير قلقًا واسعًا بين الطلاب والشباب والعاملين فى مختلف المهن. لكن من وجهة نظري، فإن السؤال الحقيقى ليس: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعى وظائفنا؟ بل: هل نحن مستعدون لاكتساب المهارات التى يفرضها هذا العالم الجديد؟
ووفق تقديرات لصندوق النقد الدولى أشارت إلى أن الذكاء الاصطناعى قد يؤثر بدرجات متفاوتة على نحو 40% من الوظائف عالميًا، بينما تؤكد دراسات أخرى أن التكنولوجيا ستخلق فرصًا ومجالات عمل جديدة بقدر ما ستغير من طبيعة الوظائف التقليدية.
ومن هنا، فإن المنافسة فى المستقبل لن تكون بين الإنسان والآلة، وإنما بين من يجيد استخدام الذكاء الاصطناعى ومن لا يتقن تعلمه واستخدامه بل وتسخيره لمصلحته.
وأعتقد أن الاستعداد لهذا المستقبل يجب أن يبدأ من المدرسة، لا من الجامعة أو سوق العمل. فالذكاء الاصطناعى ينبغى أن يصبح جزءًا من العملية التعليمية، ليس بهدف تخريج مبرمجين فقط، بل لإعداد أجيال قادرة على التفكير النقدي، وتحليل المعلومات، والتعامل مع التقنيات الحديثة بصورة آمنة وفعالة.
ولا شك أن تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى بنية تحتية رقمية متطورة، ومدارس مجهزة، وشبكات اتصال قوية، ومعلمين مؤهلين، ومناهج تواكب التطورات العالمية، فضلا عن تدريب مستمر للعاملين فى مختلف القطاعات.
وفى حقيقة الأمر فإن مصر بدأت بالفعل خطوات مهمة فى هذا الاتجاه، سواء من خلال التوسع فى برامج وكليات الحاسبات والذكاء الاصطناعى وعلوم البيانات، أو عبر تسارع جهود التحول الرقمى فى مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات التى تقود مسارًا واضحًا نحو بناء بنية رقمية حديثة وتعزيز قدرات الدولة فى مجالات الذكاء الاصطناعى والخدمات الرقمية، كما تشارك عدد من الجهات الوطنية فى برامج تدريب وتأهيل تستهدف رفع كفاءة العاملين فى مختلف القطاعات لمواكبة هذا التحول المتسارع.
وفى هذا السياق، تبرز تجربة الهيئة العامة للاستعلامات كنموذج جدير بالتقدير، من خلال ما تبنته مؤخرًا من برامج ودورات تدريبية متخصصة فى تطبيقات الذكاء الاصطناعى للعاملين بها، بهدف تطوير الأداء الإعلامى والإدارى ورفع كفاءة الكوادر المهنية. وأود هنا أن أشيد بالدور الذى يقوم به السفير علاء يوسف، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للاستعلامات، فى دعم هذا التوجه وتوسيع نطاق التدريب ليشمل أدوات الذكاء الاصطناعى الحديثة، بما يعكس رؤية واعية بأهمية الاستثمار فى العنصر البشري. ومن وجهة نظري، فإن تعميم مثل هذه البرامج لتشمل مختلف التخصصات داخل المؤسسات سيكون خطوة أكثر تأثيرًا نحو إعداد جهاز إدارى وإعلامى قادر على التفاعل مع متطلبات العصر الرقمي.
وفى تقديرى الشخصي، فإن أخطر ما قد نواجهه ليس انتشار الذكاء الاصطناعي، بل التأخر فى الاستعداد له. فالدول التى تستثمر فى التعليم والتدريب والبنية التحتية ستتمكن من الاستفادة من هذه الثورة، بينما قد تجد الدول المتأخرة نفسها مجرد مستهلك للتكنولوجيا.
ولعل الرسالة الأهم للشباب وأولياء الأمور هى أن الخوف من الذكاء الاصطناعى لن يغير المستقبل، أما تعلمه وإتقان مهاراته فسيمنح الأجيال الجديدة فرصة أفضل للمنافسة والعمل والإبداع.
وللحديث بقية فى مقالات قادمة حول أبعاد الذكاء الاصطناعى فى مصر.

30 يونيو والذاكرة البصرية
قيود وحدود التوجهات العسكرية الإسرائيلية تجاه مصر
الأحلام ما زالت ممكنة





