بعد أن أغلقت الصفحة الأخيرة من رواية «نبى أرض الشمال»، لم أشعر أننى أنهيت رواية بقدر ما شعرت بأننى أفتح الباب لأخرج من بوابة التاريخ، والأسئلة الإنسانية الكبرى، لكننى لم أستطع الخروج تمامًا، فقد ظلت أجواء الرواية ترافقنى، وتدفعنى إلى التفكير والبحث عن إجابات. وهذا ما أعتبره نجاحًا لأى عمل أدبى، أن يستمر حضوره فى ذهن القارئ طويلًا.
وجدتنى أعيد قراءة الإهداء (إلى من يضيئون العتمة رغم الألم، ألقاكم فى مكان يغمره النور حيث لا ظلام). وأقلب فى الصفحات، وأعيد قراءة بعض الفقرات منها قصاصة من كتبها بطل الرواية عمر القداح إلى الفيلسوف نيتشه قبل بداية الأحداث.
تتحرك رواية «نبى أرض الشمال» للدكتور أسامة عبد الرؤوف الشاذلى فى أزمنة مختلفة، لتفتح لنفسها مساحات خاصة تستطيع من خلالها المزج بين التاريخ والفلسفة والأسطورة والتشويق. تشعر بأن المحور الأساسى الذى يدور فى ذهن الكاتب هو طرح الأسئلة الإنسانية الكبرى التى تتجاوز حدود الزمان والمكان.
فهى ليست مجرد رواية تاريخية تستعيد الماضى، ولا رواية بوليسية تعتمد على لغز يسعى القارئ إلى حله، وإنما هى نص مركب يطرح إشكالية المعرفة، يبحث عن الحقيقة ويفسر معنى الإيمان من خلال بناء سردى متعدد المستويات.
اختار الكاتب أن يبنى نصه على خطين زمنيين متوازيين، أحدهما يمتد إلى العالم الإغريقى القديم، والآخر يتحرك فى الزمن المعاصر، ويعتمد على تقنية التناوب بين الأزمنة، بحيث يتحول الماضى إلى مفتاح لفهم الحاضر، بينما يصبح الحاضر أداة لإعادة قراءة الماضى.
هذه التقنية ليست جديدة فى الرواية العالمية، لكنها تكتسب خصوصيتها هنا من خلال قدرة الكاتب على خلق روابط عضوية بين المستويين الزمنيين، مارسيليا الإغريقية القديمة، ومارسيليا الحديثة. وقد نجح الشاذلى إلى حد كبير فى الحفاظ على تماسك البناء الروائى رغم تعدد الشخصيات والأحداث والإحالات التاريخية، وهو نجاح يحسب له لأن الروايات التى تعتمد على الأزمنة المتقاطعة كثيرًا ما تقع فى فخ التشتيت أو فقدان وحدة السرد.
لا يمكن قراءة «نبى أرض الشمال» باعتبارها رواية شخصيات فقط، لأن البطل الحقيقى فيها هو «السؤال». فالرواية منذ بدايتها وحتى نهايتها تنشغل بالبحث عن المعرفة وحدود الإدراك الإنسانى، وعن العلاقة بين الحقيقة والأسطورة، وبين العقل والإيمان. إنها أقرب لـ«رواية الأفكار» حيث لا تكتفى الشخصيات بخوض صراعاتها الخاصة، بل تتحول إلى أدوات للكشف عن رؤى فلسفية وإنسانية أوسع.
تحتفظ لغة الرواية بقدرتها على خلق أجواء تاريخية وإيحاءات فلسفية تناسب طبيعة الموضوع. من أبرز إنجازات الرواية قدرتها على توظيف التشويق لخدمة الفكرة لا لمجرد إثارة الفضول. فاللغز المركزى فى الرواية لا يؤدى وظيفة بوليسية تقليدية، بل يصبح وسيلة لطرح أسئلة أعمق حول الهوية، التاريخ، الذاكرة، والحقيقة.
أهمية «نبى أرض الشمال» فى رأيى أنها تنتمى إلى الأدب الذى يسعى إلى تجاوز القوالب التقليدية، وإعادة الاعتبار للرواية بوصفها مجالًا للتفكير بقدر ما هى مجال للحكى.
أرى أن هذه الرواية مرشحة وبقوة لنيل عدد من الجوائز الأدبية الرفيعة، شكرًا دكتور أسامة عبد الرؤوف الشاذلى.

القضية الفلسطينية الحقيقة والواقع
الغش التجارى !
كرم جبر يكتب: ٣٠ يونيو..قراءة فى المتغيرات!





