فنجان قهوة

من بعض ما عندنا

يسرى الفخرانى
يسرى الفخرانى


١

■ لم تُنجب السيدة ميم، قضت عمرها تتمنى وتنتظر وتحاول وتكرر المحاولات، صرفت الجزء الأكبر من ثروتها، كانت غنية وأصبحت مستورة، كانت قوية وأصبحت بائسة، كانت تُصلى ودعواتها لله أن تُنجب ولو طفلًا عاجزًا، ومرت السنوات حتى انقطعت أسباب الرجاء بعد أن بلغت مرحلة لن تستطيع عندها إنجاب طفل كما تمنت، فى يوم رحلت أعز صديقاتها فى حادث مع زوجها، ولم يجدوا أحدًا من عائلتها يتولى رعاية ثلاثة توائم فى عمر السادسة، فكان الاختيار أن تتولى أمرهم ورعايتهم كأم بديلة، يوم تخرجوا فى الجامعة عرفت تمامًا لماذا لم يرزقها الله بأبناء، حتى تنتظر هؤلاء الأطفال وتمنح لهم هى وزوجها قلبهما لهم وحدهم.

نحن لا نعرف نحن فقط نُرزق بما كُتب لنا.

٢

■ هل تتذكر هذا الطفل، الذى صادفك فى إشارة مرور يبيع زجاجات ماء مثلجة فى منتصف النهار، ولم تكتف أن تشترى منه ومنحته كيسًا من الحلوى كان معك فخطفه فى سعادة، ورأيته فى المرآة بعد أن تحركت بسيارتك بعيدًا وهو يوزع كل ما فى الكيس على أصحابه من الأطفال المشردين بالشوارع فى سعادة، كل هذه السعادة مُضاعفة ستعود لك وقت احتياجك لها، وهذا الطفل ربما يكون كيس الحلوى سببًا فى تغيير حياته يومًا ما، لكنه مؤكد فى كل يوم سيتذكر طعم الحلوى وكل إشارة حمراء سوف ينتظرك من جديد لعلك تعود وتهديه كيس حلوى مرة أخرى.

٣

■ متى دعوت كثيرًا من قلبك ونظرت للسماء وشكوت لله قلة حيلتك والألم، الذى يمشى معك مثل ظِلك؟ لم يحدث شىء، لم يتغير الحال سوى أنك بكيت حتى أظلمت الدنيا فى عينيك، هل تظن أن الله لم يسمعك؟ تعرف أن الله يسمعك، وهو يحب أن يسمعك أكثر، وتأكد أنه منذ هذه اللحظة ومصيرك يتغير دون أن تعلم، قد يكون نصف جسدك غارقًا فى النهر لكن مَن أدراك أن الله أوقف عنك طوفان كان سيحطم جسدك كاملًا. رحمة الله لا تهبط علينا بالصورة، التى نتصورها نحن بعلمنا الناقص ورؤيتنا المحدودة وقُدرتنا الضعيفة، إنما تأتينا كما يريدها الله لنا، بقَدّر ونظام، يضمن حركة الكون، فأنت لست وحدك فى هذا الكون العظيم، أنت جزء صغير للغاية لا يُرى مع اتساع الكون وتعدد الخلق والمخلوقات، ويراك الله رغم ذلك ويخطط لك ما عجزت عنه.

٤

■ عجيبة صورنا، التى نعود إليها بين حين وآخر بالصدفة، فنكتشف ليس فقط أن ملامحنا تغيرت، إنما تغيرت معانى ابتساماتنا أو أحزاننا، كل وجه التقط فى صورة فى وقت ما، أو مناسبة ما كان شكل الفرح أو الحزن مختلفًا، الحقيقة أننا نلتقط مئات أو آلاف الصور، التى تحكى مواقف كثيرة حتى لو احتفظنا بنفس الملامح. فالصورة التى التقطناها وآباءنا على قيد الحياة بالقرب منا غير التى التقطناها فى غيابهم، والصور التى نلتقطها فى الغربة غير التى نلتقطها فى الوطن، إننا نمضى عبر شريط صور كأننا نركب قطارًا سريعًا عند كل محطة فيه نلتقط صورة لمشاعرنا وليس لملامحنا.