أوراق شخصية

العقل الذى يدير نفسه (5)

د. آمال عثمان
د. آمال عثمان


من أين تأتى الأفكار الجديدة أصلًا؟ يبدو السؤال بسيطًا، لكن إجابته من أعقد القضايا التى شغلت البشر، فمعظم الناس يتصورون أن الإبداع هبة غامضة يختص بها بعض الناس دون غيرهم. لكن إدوارد دى بونو يقف على الضفة المقابلة تمامًا. فالإبداع، فى نظره، ليس معجزة، بل مهارة يمكن تعلمها، كما نتعلم أى مهارة أخرى. هنا تظهر القبعة الخضراء؛ قبعة النمو والحركة. وإذا كانت القبعات السابقة قد انشغلت بفحص الواقع وتحليل المشاعر ورصد المخاطر والفرص، فإن القبعة الخضراء تسأل سؤالًا مختلفًا: ماذا لو كانت هناك طريقة أخرى؟ 

فى عالم الإدارة والسياسة والاقتصاد وحتى الحياة اليومية، لا تنشأ كثير من الأزمات بسبب غياب الحلول، بل بسبب التمسك بحل واحد. ولهذا يدعونا دى بونو إلى التفكير الإبداعى، أى مغادرة المسار المألوف والبحث عن بدائل جديدة، حتى لو بدت غريبة فى البداية. فالأفكار الكبرى لم تولد من تكرار المألوف، بل من الجرأة على النظر إلى الأشياء من زاوية مختلفة. لكن الإبداع وحده لا يكفى. فالعقل الذى ينتج الأفكار يحتاج أيضًا إلى عقل آخر يديرها وينظمها، ويمنعها من التحول إلى فوضى. وهنا نصل إلى القبعة الزرقاء، التى تمثل التفكير حول التفكير نفسه. فهى لا تبحث عن الحقائق، ولا تعبر عن المشاعر، ولا تنتقد، ولا تتفاءل، ولا تبتكر. مهمتها أن تدير الحوار بين القبعات الأخرى. إنها أشبه بقائد الأوركسترا الذى لا يعزف بنفسه، لكنه يعرف متى يجب أن يتقدم كل صوت، ومتى ينبغى أن يصمت. 

وهنا تكتمل الصورة التى أراد المؤلف رسمها منذ البداية. فالهدف من القبعات الست لم يكن الاختيار بين العقل والعاطفة، أو الحذر والتفاؤل، بل منح كل نمط من أنماط التفكير مكانه الصحيح ووقته المناسب. فالحكمة لا تولد من صوت واحد، بل من قدرة العقل على الإصغاء إلى جميع الأصوات دون أن يسمح لأى منها بالاستبداد بالقرار. ولا يدعونا دى بونو إلى أن نصبح أكثر ذكاءً، بل إلى استخدام ذكائنا بطريقة أفضل. هذه هى الرسالة الأهم التى أراد صاحب «قبعات التفكير الست» أن يتركها لنا: ليس المهم أن نفكر كثيرًا، بل أن نعرف كيف نفكر بصورة أفضل. فالمشكلة ليست فى الذكاء الذى نملكه، بل فى توظيفه وإدارته.