تــنــظـيـــم النـســـل أخــــذ بالأســــبــــاب لا يــخـــالــف الشـــــرع

 د. أحمد كريمة - د. على الله الجمال - د. مصطفى عبد الحى
د. أحمد كريمة - د. على الله الجمال - د. مصطفى عبد الحى


تُشير الشريعة الإسلامية بوضوح إلى أن الغاية من الزواج تتجاوز مجرد الإنجاب إلى بناء أسرة مستقرة قادرة على أداء رسالتها فى المجتمع، وبين حرص الأسرة على توفير حياة كريمة وصحة جيدة للأم والأبناء، وبينما تحث النصوص الشرعية على تكثير النسل، تبرز الرؤية الفقهية المستنيرة، كاجتهادات الإمام الغزالى التى تجيز تنظيم الحمل خشية المشقة والحرج، أو ضمانًا لحسن تربية الأبناء ورعايتهم، ليتحول تنظيم النسل من مجرد إجراء وقائى إلى خطوة استراتيجية تسهم فى تحقيق مقاصد الإسلام العليا فى بناء الفرد السوى والمجتمع القوي.

وفى هذا الشأن، يوضح د.أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن تنظيم النسل ليس اعتراضًا على قدر الله تعالى أو تدخلًا فيه، لأنه من باب الأخذ بالأسباب، مؤكدًا أن الإنجاب حق وواجب فى الوقت نفسه؛ فهو حق للزوجين، وواجب على المستوى العام لأنه مطلب وجودى لاستمرار بقاء النوع الإنسانى الذى لا يتحقق إلا من خلال التناسل المنضبط.

وعن احتجاج بعض المعترضين على تنظيم النسل بظاهر النصوص الواردة فى الحث على كثرة التناسل، يشير إلى أنه لا يصح الأخذ بظاهر بعض النصوص الصحيحة دون مراعاة الأدلة الشرعية الأخرى، التى لم يرد بينها نص واحد يحدد، ولو تلميحًا، عدد الأبناء المطلوب إنجابهم لكل أسرة، كما لم يرد نص يحرم تنظيم النسل أو الإقلال منه.

ويشدد كريمة على أن الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، ويجب استحضاره عند الأخذ بالأسباب، مؤكدًا أنه لا يتعارض مع تنظيم النسل، الذى يعنى المباعدة بين الولادات وتنظيمها، لا المنع أو القطع المطلق للنسل، وهو ما يرفضه الشرع ولا يجيزه إلا لضرورة قصوى تتعلق بحياة الأم.

وعن اعتقاد البعض أن تنظيم النسل يتعارض مع قضية الرزق، استنادًا إلى النصوص الشرعية التى تحرم قتل الأولاد بسبب الفقر والعجز عن الاكتساب، كما فى قوله تعالى: «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم»، يوضح كريمة أن هذا فهم مغلوط، مؤكدًا أن الغرض من وسائل تنظيم النسل هو منع تكوين الجنين أصلًا، فإذا استُخدمت الوسيلة المشروعة لم يتكون الجنين، وذلك أيضًا من قدر الله تعالى، ويطالب بوضع إطار واضح لعملية الإنجاب والتكاثر، استنادًا إلى أن العبرة ليست بكثرة العدد أو بجنس المولود، وإنما بقدرة الأسرة على الرعاية والتربية، موضحًا أن مباهاة النبى صلى الله عليه وسلم تكون بالأمة القوية التى يدها العليا لا السفلى.

ويرى الدكتور على الله الجمال، إمام مسجد السيدة نفيسة، أن تنظيم النسل جائز شرعًا، سواء كان لدواعٍ ضرورية أو اجتماعية أو اقتصادية، ولا يتعارض مع الإيمان بأن الرزق بيد الله، لأن الإنسان مأمور بالسعى والتخطيط والأخذ بالأسباب.

ويؤكد أن تنظيم النسل يساعد الأسرة على توفير ظروف صحية وتعليمية واجتماعية أفضل للأبناء، كما ينسجم مع النصوص الشرعية التى تدعو إلى تحقيق الاستقرار والرخاء للإنسان، ويضيف أن الخوف من المشقة الناتجة عن كثرة الأولاد والتكاليف المترتبة عليهم يعد سببًا معتبرًا للتنظيم، باعتباره من باب النظر فى العواقب. ويشير الجمال إلى أن استخدام الوسائل المشروعة لتنظيم الإنجاب لا يدخل فى نطاق النهى عن قتل الأولاد خشية الفقر، لأن الجنين لم يتكون بعد. كما يحذر من الاعتقاد بأن التكاثر غير المنضبط يمثل قيمة فى حد ذاته، مؤكدًا أن الإسلام يدعو إلى إعداد أجيال قوية وقادرة على خدمة المجتمع.

ويؤكد د. مصطفى عبد الحى، أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة الأزهر، أن الظروف المعاصرة تختلف عن الماضي، حيث أصبحت الدولة مسئولة عن توفير العديد من الخدمات الأساسية للمواطنين، لذلك فإن المباعدة بين الولادات تسهم فى توفير بيئة صحية وتربوية أفضل للأطفال، وتمكن الأسرة والدولة من تقديم الرعاية المطلوبة لهم.

ويشير إلى أن القضية السكانية يجب أن تُقاس بجودة العنصر البشرى لا بعدد السكان فقط، مؤكدًا أهمية دراسة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية عند وضع الخطط التنموية، ويختتم بالتأكيد على ضرورة نشر الوعى بأهمية تنظيم الإنجاب من خلال وسائل تشجيعية فعالة.
سيد عبد النبى