يوميات الأخبار

الحرب أرزاق يا عم « شيلكوت»

د. محمود عطية
د. محمود عطية


هل يمكن أن نسمع عن لجنة محايدة تبحث لماذا قامت أمريكا بغزو إيران، لنصل إلى الأهداف الحقيقية غير المُعلنة، بعيدًا عن قضية فتح مضيق هرمز الذى لم يكن مغلقًا أصلًا؟!

الجمعة

أسباب مُعلنة

لماذا تقوم الحروب؟ الإجابة: عادةً ما تقوم لأسباب مُعلنة، وحسب ظنى فإن الأسباب المعلنة ليست غالبًا هى الأسباب الفعلية للحرب. فمثلًا، قامت حرب غزو أمريكا ومن معها للعراق فى 20 مارس 2003 تحت ادعاء أن الحكومة العراقية تمتلك أسلحة دمار شامل «نووية أو كيميائية أو بيولوجية»، وفى النهاية لم يُعثر على مخزونات أسلحة الدمار الشامل التى كانت السبب الرئيسى المعلن للحرب، وأصبح غزو العراق من أكثر الأحداث السياسية والعسكرية إثارةً للجدل فى القرن الحادى والعشرين. وهذا، تقريبًا، يُشبه ما يجرى حاليًا مع إيران.

لكن بعد غزو العراق، الذى شاركت فيه بريطانيا إلى جانب أمريكا، ولأسباب غير مفهومة، شَكَّلت بريطانيا عام 2009 لجنةً للتحقيق فى دورها فى حرب العراق، وسُمِّيت اللجنة باِسم رئيسها «شيلكوت»، وأصدرت اللجنة تقريرًا خلص إلى أن قرار المشاركة فى الحرب اتُّخذ بناءً على معلومات مضلِّلة بشأن وجود أسلحة دمار شامل فى العراق...!

لكن، فى رأيي، فإن ما أغفلته اللجنة بشأن غزو العراق هو علاقة قرار الحرب بتجارة السلاح الغربية، وعلاقة السياسيين بصناعة السلاح لإنعاش اقتصادات بلدانهم. وبالتأكيد فات التقريرَ فحصُ سجلات العسكريين وعمولاتهم من صفقات شراء السلاح التى تتجاوز مليارات الدولارات. فالاستثمارات المهولة فى مصانع السلاح لابد لها من أسواق وزبائن، وما دامت صناعة السلاح تجارةً وشطارةً وأرزاقًا، فلا يمكن إنهاء الحروب، بل يمكن افتعالها لخلق أسواق جديدة لاستهلاك الإنتاج الوفير من السلاح، وتلبية الطلبيات التى تمتد لسنوات طويلة، ولتنعم الدول المصدِّرة والمنتجة للسلاح، وهى تُعَدّ على أصابع اليد الواحدة، بالمال الوفير..!

ونظرة سريعة إلى الحروب المشتعلة، خاصةً فى بلدان العالم الثالث، تُظهر أنها تقوم لأسباب واهية يجرى اختلاقها عبر تضخيم الخلافات بين شعوب البلد الواحد، وتأجيجها لإشعال الحرب بين دوله أو مكوناته، حتى بات بند التسليح يستحوذ على النصيب الأعظم من ميزانيات تلك الدول البائسة، على حساب التعليم والصحة وتوفير مستوى معيشى إنسانى وفرص عمل لأبنائها العاطلين.

وكان يمكن للجنة المذكورة أن تستعين بشهادة لجان التفتيش الدولية التى أعلنت آنذاك صراحةً أن صدام حسين أصبح ظاهرةً صوتيةً، وأنه لا يملك أى أسلحة دمار شامل. كما كان يمكن لــ»شيلكوت» ومَن معه أن يعلنوا صراحةً أن السبب الرئيسى للحرب على العراق هو الترويج للسلاح الغربي، وتجربة أسلحة جديدة، وإعادة رسم خرائط جديدة، وبالطبع استنزاف الثروات العربية، فضلًا عن خدمة إسرائيل التى أسدت خدمات جليلة للغرب بتمزيق العرب شيعًا متفرقة.

وللأسف، لم تذكر اللجنة أن السياسيين والعسكريين الكبار يدركون جيدًا أن الحرب أرزاق. وحاليًا، هل يمكن أن نسمع عن لجنة محايدة تبحث لماذا قامت أمريكا بغزو إيران، لنصل إلى الأهداف الحقيقية غير المعلنة، بعيدًا عن قضية فتح مضيق هرمز الذى لم يكن مغلقًا أصلًا؟!

الأحد

أم كلثوم ورشاوى الباشا

مازلت أتذكر رد كوكب الشرق أم كلثوم- عقب حفلها الأسطورى على مسرح الأوليمبيا فى باريس عام 1967- فى حوار تليفزيونى دار بينها وبين الإعلامية المصرية الشهيرة سلوى حجازي، حيث سألتها الإعلامية: عن أكثر ما أعجبها فى باريس، وما المكان الذى تحب أن تزوره كل مرة؟ ردت أم كلثوم بكل تلقائية قائلة: «المسلة.. عشان بتاعتنا»، فى إشارة إلى المسلة الفرعونية المصرية الموجودة فى ساحة الكونكورد. لم تنس أم كلثوم هويتها المصرية القديمة، تلك هى عبقرية الفنان الواعى لجذوره التاريخية.

والمسلة المصرية التى أشارت إليها أم كلثوم هى «مسلة الأقصر» وهى القائمة فى ساحة الكونكورد بباريس، وكان الباشا حاكم مصر فى ذلك الزمان «محمد على» قد قدمها رشوة لفرنسا عام 1830، وأراد بها اتقاء شر باريس من الوقوف أمام تطلعاته السياسية، و»الباشا» دائب على استرضاء أوروبا بالعديد من الرشاوى بهدف استمالة القوى الأوروبية إلى عدم معارضة مشروعاته التوسعية، فقد أعطى «مسلة كليوباترا» أخرى إلى بريطانيا عام 1819، وهى حاليا موجودة على ضفاف نهر التايمز فى لندن، ونسخة أخرى من «مسلات كليوباترا» أعطاها إلى الولايات المتحدة عام 1881، وهى معروضة فى سنترال بارك بنيويورك، لكن يثار جدل أخلاقى حول العديد من المسلات التى تم اعطاؤها لأوروبا لأنها نُقلت فى ظروف استعمارية، أو بلفظ أكثر تأدبًا كهدايا سياسية، ونوعًا من التفريط فى تراث وطنى لا يملك أى حاكم حق التصرف فيه مما يثير نقاشًا حول «النهب المشروع».

ومع ذلك يبدو أن باريس لم ترض عن طموحات «باشا مصر» فى محاولة استقلاله عن الحكم العثمانى وبناء امبراطوريته الخاصة، وبدأت العلاقات تتوتر، فلجأ إلى رشوة مبتكرة لاسترضاء فرنسا، حيث أرسل عام 1827 «زرافة صغيرة» إلى ملك فرنسا «شارل العاشر»، ولم تكن أوروبا ولا فرنسا تعرف «الزرافة»»، فقد كانت بالنسبة لهم حيوانًا غريبًا ونادرًا جدًا، مما جعلها رشوة استثنائية ذات قيمة رمزية كبيرة، وأطلق الباشا عليها اسم «زرافة شامبليون» نسبة إلى العالم الفرنسى «جان فرانسوا شامبليون» الذى فَكَّ رموز الهيروغليفية عام 1822، ليُعيد بناء الثقة ويؤسس لعلاقات ثقافية وعلمية قوية مع فرنسا، «الزرافة» كانت صغيرة العمر (شهرين تقريبًا) وتحتاج إلى 25 لترًا من الحليب يوميًا، لذلك رافقتها ثلاث بقرات لتوفير الغذاء، وقد نُقلت أولًا من السودان إلى الإسكندرية، ثم على متن سفينة خاصة إلى مرسيليا، وبسبب طول عنقها، تم عمل فتحة فى سطح السفينة لتتمكن من مد رقبتها، وبعد وصولها إلى فرنسا، سارت لمسافة 900كم من مرسيليا إلى باريس وسط دهشة الجماهير.

حيث استقبلها عشرات الآلاف عند مرورها بالمدن الفرنسية، وعند وصولها إلى باريس أصبحت الزرافة ظاهرة اجتماعية وثقافية، وقيل إنه قد زارها أكثر من 100 ألف شخص، أى نحو ثُمن سكان باريس حينها، وقيل أيضًا إنها ألهمت كُتابًا مثل بلزاك، ولفتت انتباه الطفل حينها جوستاف فلوبير، وعاشت الزرافة فى حديقة النباتات بباريس لمدة 18 عامًا حتى نفقت، ثم حُنطت وعُرضت فى متحف التاريخ الطبيعى فى «لاروشيل» حيث لا تزال موجودة.

الثلاثاء

أذان المترو

وسط جلبة المترو وضجيجه، وبين تدافع الركاب صعودًا وهبوطًا وما يصاحبه أحيانًا من مشاحنات وخلافات، انطلق عبر الإذاعة الداخلية فى محطة الخلفاوى على خط شبرا، أذان الظهر بصوت جهورى لافت، ولست هنا بصدد الاعتراض على الأذان أو التشكيك فى قيمته الدينية، فذلك أمر لا خلاف عليه، وإنما أتساءل عن المغزى العملى من إذاعته داخل المترو: هل يترتب عليه إجراء معين يتعلق بحركة التشغيل أو بالعاملين أو بالركاب؟ إنه مجرد تساؤل مشروع، وأرجو ألا يُحمَّل ما لا يحتمل أو يُقتطع من سياقه.

أما القضية التى تستحق التوقف عندها حقًا، فهى أن هيئة مترو الأنفاق، عندما تُذَكِّر الناس بالصلاة، فإنها تُذَكِّرهم ضمنًا بقيم الخير والانضباط والسلوك القويم، وهى رسالة إيجابية ومحمودة، غير أن هذه الرسالة تكتسب قيمتها الحقيقية حين تتجسد فى الممارسة اليومية، وحين تكون الجهة التى تدعو إليها نموذجًا فى الالتزام بها.

ومن هنا يأتى عتابى للهيئة؛ إذ لا يكفى أن ندعو إلى الفضائل، بل ينبغى أن نعكسها فى الواقع، فإماطة الأذى عن الطريق قيمة دينية وإنسانية أصيلة، ومع ذلك مازالت مداخل ومخارج كثير من محطات المترو تعانى التكدس والعشوائية بسبب انتشار الباعة الجائلين وبضائعهم المتنوعة، فضلًا عن عربات المأكولات والمشروبات التى تستولى على مساحات واسعة من محيط المحطات، بما يعرقل حركة الركاب ويُضَيِّق عليهم سُبل المرور. ولا تقع المسئولية على هيئة المترو وحدها، بل يشاركها فيها مسئولو الأحياء والجهات المعنية، الذين لم ينجحوا حتى الآن فى إيجاد حلول فَعَّالة لهذه الظاهرة المتكررة، رغم ما تسببه من معاناة يومية للمواطنين وشكاوى لا تنقطع من سكان المناطق المحيطة بالمحطات وروادها.
أمثال من هناك:

- إذا أردت أن تعرف طريقك إلى الأمام، فاسأل العائدين منه

- مثل صينى».

- لا تخف من السير ببطء، بل خف من الوقوف «مثل صيني».