ليست مجرد بطولة بل أكبر سوق تجارى بالعالم .. من يحصد مليارات المونديال؟

صورة تعبرية
صورة تعبرية


بينما تمتلئ الملاعب بالجماهير من مكسيكو سيتى إلى تورونتو ومن لوس أنجلوس إلى نيويورك تتواصل منافسات كأس العالم 2026 بوصفها أكبر حدث رياضى شهدته كرة القدم على الإطلاق. فبمشاركة 48 منتخبًا وطنيًا وإقامة 104 مباريات واستضافة ثلاث دول للبطولة تحول المونديال إلى عرض عالمى غير مسبوق من حيث الحجم والانتشار.

مــلايين المشــجعين يتابعــون الأهــداف والمنافسات وأحلام التتويج، فيما تحتفى الحكومات بالأضواء الدولية والفرص الاقتصادية التى ترافق هذا الحدث الاستثنائى، لكن خلف أجواء الحماس والاحتفالات تكمن قصة أكثر تعقيدًا؛ فكأس العالم لم يعد مجرد بطولة لكرة القدم، بل أصبح واحدًا من أقوى المشاريع التجارية على مستوى العالم، يدر مليارات الدولارات من حقوق البث، واتفاقيات الرعاية، والتذاكر، والسـياحــــــــة، والمنصـات الرقمية.

ومع تقدم البطولة، يبرز سؤال مهم: من هم الفائزون الحقيقيون فى كأس العالم 2026؟ قد تكون الإجابة بعيدة تمامًا عن المنتخب الذى سيرفع الكأس فى النهاية.

الرابح الأكبر

يظل الاتحاد الدولى لكرة القدم افيفاب الفائز الأبرز فى هذه المنظومة. فعلى مدى العقد الماضى، نجح الاتحاد فى تحويل كأس العالم إلى نموذج اقتصادى متطور ومتنامى الربحية، وتم تقديم قرار توسيع البطولة من 32 إلى 48 منتخبًا باعتباره خطوة نحو زيادة الشمولية وإتاحة الفرصة أمام عدد أكبر من الدول للمشاركة. ورغم أن هذا الهدف تحقق بالفعل، فإن التوسعة فتحت أيضًا الباب أمام مكاسب مالية ضخمة، فالمزيد من المنتخبات يعنى المزيد من المباريات، والمزيد من المباريات يعنى المزيد من التذاكر، والمحتوى التلفزيونى، وفرص الرعاية والإعلانات. وكل مباراة إضافية تمثل منتجًا تجاريًا جديدًا يمكن بيعه لشبكات البث والشركات الراعية حول العالم.

ولهذا السبب يُتوقع أن تحقق هذه النسخة من كأس العالم إيرادات قياسية، لتصبح واحدة من أكثر النسخ ربحية فى تاريخ البطولة.

ويعكس الشكل الموسع للمونديال اتجاهًا أوسع فى عالم الرياضة العالمية، يتمثل فى السعى إلى التوسع وتعظيم العوائد، ففى عصر أصبحت فيه انتباهات الجمهور سلعة ثمينة تظل كرة القدم واحدة من المنتجات القليلة القادرة على جذب مليارات المشاهدين فى اللحظة نفسها.

وهكذا تطورت كأس العالم من بطولة رياضية إلى منصة إعلامية عالمية ضخمة.

أما المجموعة الثانية مــن المســـــــــــتفيدين فتتمثـــل فــى الشـركات متعـــددة الجنســــــيات. فقبــل انطلاق البطولة بوقت طـــــويل، ضخت العلامات التجـــاريــة العــالميــة اســتثمارات ضخمـــة لضمــان وجودها فى قلب الحدث.

وبالنسبة لشركات الملابس الرياضية، والمشروبات وخدمات الدفع وشركات الطيران يمثل كأس العالم فرصة نادرة للوصول إلى جمهور عالمى حقيقى فى عصر الإعلام الرقمى.

فالمليارات حول العالم يتابعون مباريات البطولة وأحداثها الرئيسية، ولا تستطيع أى حملة إعلانية أو استراتيجية تسويق رقمى تحقيق المستوى نفسه من الانتشار، لذلك تنظر الشركات إلى عقود الرعاية التى تبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات باعتبارها استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد، وليس مجرد تكلفة تسويقية، فكل هدف وكل احتفال وكل لحظة تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعى تتحول إلى فرصة لتعزيز حضور العلامة التجارية فى مختلف القارات.

وبهـــذا المعنــى أصبــح كــأس العــالم مهـــرجانًا تسويقيًا عالميًا يمتد على مدار شهر كامل.

شركات الإعلام والبث

وتنضم شركات الإعلام والبث إلى قائمة الفائزين الكبار، فقد أدى رفع عدد المباريات من 64 إلى 104 مباريات إلى زيادة هائلة فى حجم المحتوى المتاح للقنوات التلفزيونية ومنصات البث الرقمى.

وفى الاقتصاد الإعلامى الحديث أصبح المحتوى بمثابة العملة الرائجة، وكل مباراة إضافية تخلق فرصًا جديدة للإعلانات والاشتراكات وجذب المشاهدين فى سوق تزداد فيه المنافسة على الاهتمام يومًا بعد يوم.

وبالنسبة لشبكات التلفزيون والمنصات الرقمية تظل كرة القدم واحدة من آخر المنتجات القادرة على جذب جماهير ضخمة للمشاهدة المباشرة.

فبينما يمكن تأجيل مشاهدة الأفلام والمسلسلات إلى أى وقت تفرض الأحداث الرياضية الكبرى نفسها فى لحظتها، وهو ما يجعل كأس العالم أحد أكثر الأصول الإعلامية قيمة على مستوى العالم.

السياحة والضيافة

وخارج عالم الشركات هناك قطاع آخر يحقق مكاسب مباشرة من البطولة، وهو قطاع السياحة والضيافة، فقد شهدت الفنادق وشركات الطيران، والمطاعم ووسائل النقل  وأماكن الترفيه فى أنحاء أمريكا الشمالية ارتفاعًا ملحوظًا فى الطلب.

فمــلايين المشــجعين يســافــرون آلاف الكيلومترات لمتابعة منتخباتهم، مما يخلق تدفقات مالية هائلة داخل المدن المستضيفة.

ويتجاوز الأثر الاقتصادى حدود الملعب بكثير؛ فالزوار يحتاجون إلى الإقامة والتنقل والطعام والأنشطة الترفيهية.

المطارات تصبح أكثر ازدحامًا، والفنادق تحقق نسب إشغال أعلى، والشركات المحلية تحصل على إيرادات إضافية.

وبالنسبة للكثير من العاملين فى قطاع السياحة يمثل كأس العالم فرصة اقتصادية قد لا تتكرر إلا كل أربع سنوات.

كذلك تستفيد الاتحادات الوطنية لكرة القدم من البطولة ماليًا، فقد خصص افيفاب مبالغ قياسية من الجوائز والمكافآت للمنتخبات الـ48 المشاركة.

وبالنسبة للاتحادات الصغيرة يمكن لهذه الأموال أن تحدث تحولًا حقيقيًا، إذ تتيح تمويل أكاديميات الشباب، وتطوير البنية التحتية الرياضية، وتحسين برامج التدريب، ودعم البطولات المحلية لسنوات عديدة بعد انتهاء المنافسات.

المدن المستضيفة

لعقود طويلة دافعت الحكومات عن استضافة الأحداث الرياضية الكبرى باعتبارها وسيلة لتحقيق النمو الاقتصادى، وجذب السياح، وتعزيز المكانة الدولية، وكان الافتراض السائد أن استضافة كأس العالم تؤدى تلقائيًا إلى فوائد طويلة الأمد، غير أن عددًا متزايدًا من الاقتصاديين بدأوا يشككون فى هذه الفرضية؛ فالاستعداد لبطولة بهذا الحجم يتطلب استثمارات عامة ضخمة تشمل الأمن، وتطوير البنية التحتية للنقل، وإدارة الحشود، والخدمات العامة.. وفى المقابل تبقى مصادر الإيرادات الأكثر ربحية مثل حقوق البث والرعاية والتراخيص التجارية وبيع التذاكر تحت سيطرة افيفاب إلى حد كبير.

وهنا تظهر مفارقة لافتة؛ فالمدن تتحمل جزءًا كبيرًا من المخاطر والتكاليف المالية، بينما تحصل على نسبة محدودة من العوائد المباشرة.

ورغم أن إنفاق الزوار يضخ أموالًا جديدة فى الاقتصاد المحلى، فإن الجدل لا يزال قائمًا حول ما إذا كانت هذه المكاسب تكفى لتعويض النفقات العامة بعد انتهاء البطولة.

وتكشف هذه المفارقة عن حقيقة أساسية فى عالم الأحداث الرياضية العملاقة؛ فكأس العالم يدر ثروة هائلة، لكن هذه الثروة لا تتوزع بالتساوى فالحصة الأكبر تذهب إلى المؤسسات الدولية والشركات متعددة الجنسيات ووسائل الإعلام العالمية، أكثر مما تذهب إلى المجتمعات التى تستضيف المباريات نفسها.

اقرأ  أيضا: هالاند: تسجيل الأهداف موهبتي.. وفرنسا مرشحة بقوة لحصد لقب كأس العالم