رؤية اقتصادية

التمويل الاستهلاكى.. تحذير مبكر

 د. آيتن المرجوشى
د. آيتن المرجوشى


آيتن المرجوشى 

 فى عالم تتسارع فيه المتغيرات الاقتصادية والمالية بصورة غير مسبوقة، لم يعد استشراف المستقبل مجرد رفاهية فكرية، بل أصبح ضرورة لحماية الاقتصادات من مخاطر قد تبدأ صغيرة، ثم تتسع تدريجيًا إذا لم يتم التعامل معها مبكرًا؛ فالكثير من الأزمات المالية العالمية لم تنفجر فجأة، وإنما سبقتها مؤشرات وتحذيرات لم تحظَ بالاهتمام الكافى، كما حدث فى أزمة الرهن العقارى عالى المخاطر (Subprime Crisis) عام 2008، حين تحول التوسع الائتمانى السريع من أداة لدعم النمو والاستهلاك إلى أحد أكبر مصادر الاضطراب المالى عالميًا.
ومن هذا المنطلق، يأتى الجدل الدائر حالياً فى مصر حول النمو السريع لقطاع التمويل الاستهلاكى، ليس باعتباره قطاعًا سلبيًا أو خطرًا فى حد ذاته، بل باعتباره قطاعًا حيويًا ومهمًا للاقتصاد المصرى ولتعزيز الشمول المالى وتحفيز النشاط الاقتصادى، لكنه فى الوقت نفسه يحتاج إلى متابعة وضوابط استباقية تضمن استدامة نموه بصورة صحية وآمنة.
ووفقًا لتعريف القانون، يُقصد بالتمويل الاستهلاكى كل شكل من أشكال التمويل الذى يتيح للمقترض شراء سلع معمرة أو خدمات لأغراض استهلاكية على أن يتم سداد قيمتها على فترة زمنية ممتدة. ويندرج تحت هذا القطاع تمويل شراء العديد من المنقولات، بما يشمل السيارات والأجهزة المنزلية والأدوات والمعدات، بالإضافة إلى تمويل الحصول على الخدمات ذات الأغراض الاستهلاكية، ليستفيد منه القطاع المنزلى والشركات والمؤسسات وغيرها من الأشخاص الاعتبارية.
وقد شهدت مصر خلال الفترة الأخيرة تزايدًا ملحوظًا فى الطلب على السلع المعمرة والاستهلاكية، التى تمثل ما يقارب ٤١% من إجمالى التمويلات الاستهلاكية، مدفوعًا بعدة عوامل، من أبرزها ارتفاع معدلات التضخم، والتغيرات فى أنماط الاستهلاك، إلى جانب التركيبة السكانية الشابة وارتفاع نسبة المقبلين على الزواج، وهو ما انعكس بوضوح على نمو القطاع. ووفقًا لبيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، ارتفع عدد العملاء بنحو 190% خلال عام 2025، كما ارتفعت قيمة التمويلات الممنوحة بنسبة 57%.
ورغم أن نسب التعثر لا تزال عند مستويات منخفضة تقل عن 3%، فإنه من الطبيعى والضرورى أن يطلق الخبراء والمتخصصون فى القطاع المالى إشارات تحذيرية تدعو إلى المتابعة الحذرة لهذا النمو السريع، ليس بهدف التقليل من أهمية القطاع، وإنما بهدف الحفاظ على استدامته وحماية الاقتصاد والمواطن فى الوقت نفسه.
فالتمويل الاستهلاكى يلعب دورًا مهمًا فى دعم الطلب المحلى وتحفيز الإنتاج، كما يساعد المواطنين على تحسين مستويات المعيشة والحصول على احتياجاتهم الأساسية والمعمرة، وهو ما يجعله أحد المحركات المهمة للنشاط الاقتصادى والشمول المالى. لكن فى المقابل، فإن أى توسع سريع وغير منظم قد يخلق ضغوطًا مستقبلية على جودة المحافظ الائتمانية أو مستويات المديونية، خاصة فى بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وتراجع القوة الشرائية.
من هنا تأتى أهمية الإجراءات الرقابية الأخيرة، سواء من جانب البنك المركزى الذى اتخذ خطوات لتعزيز الضوابط الرقابية والحد من المخاطر المحتملة، أو من جانب الهيئة العامة للرقابة المالية، التى قررت وقف منح تراخيص جديدة لشركات التمويل الاستهلاكى بصورة مؤقتة، فى خطوة تستهدف تنظيم السوق والحفاظ على كفاءته واستقراره.
وفى تقديرى، فإن قوة أى اقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تحقيق النمو، وإنما بقدرته على إدارة هذا النمو بصورة متوازنة ومستدامة قبل أن يتحول إلى مصدر للمخاطر. فالتاريخ الاقتصادى أثبت أن تجاهل الإشارات المبكرة والاعتماد على معدلات النمو المرتفعة وحدها قد يقود إلى اختلالات يصعب احتواؤها لاحقًا.
ومن هنا، فإن التحذير المبكر من النمو السريع فى بعض القطاعات المالية لا يجب تفسيره باعتباره تشاؤمًاً أو تقليلًا من أهمية هذه القطاعات، بل يُعد جزءًا من الإدارة الاقتصادية الرشيدة واستشراف المستقبل. فالتمويل الاستهلاكى سيظل أحد القطاعات المهمة لدعم الشمول المالى وتحفيز الطلب والنشاط الاقتصادى، لكن استدامة نجاحه تتطلب توازنًا دقيقًا بين النمو والرقابة.
وفى هذا الإطار، فإن الإجراءات التنظيمية والرقابية الأخيرة تعكس توجهًا استباقيًا يهدف إلى حماية السوق والمواطن معًا، لأن المواطن هو الطرف الأكثر تأثرًا بأى اضطرابات اقتصادية أو مالية مستقبلية. لذلك، فإن الهدف الحقيقى ليس تقييد القطاع، وإنما بناء منظومة تمويلية أكثر قوة واستقرارًا، قادرة على دعم النمو دون خلق فقاعات أو مخاطر قد تتحول مستقبلًا إلى عبء على الاقتصاد والمجتمع.