حين جلس الروبوت على منصة التحكيم

من يفوز بجوائز الدولة؟

الروبوت على منصة التحكيم
الروبوت على منصة التحكيم


الخوارزمية اختارت الفائزين.. ثم اعترفت بعجزها عن فهم الإبداع

كيف يفكر الذكاء الاصطناعى؟
عندما طُرح عليه السؤال، لم يبدأ بالحديث عن الأدب أو الفن، بل عن البيانات.
أوضح أنه يستطيع فحص كميات هائلة من المعلومات فى وقت قياسى، وتحليل الإنتاج العلمى والأدبى للمرشحين، ومراجعة حضورهم فى قواعد البيانات الأكاديمية والثقافية، ورصد حجم التأثير والانتشار والاستشهادات المرتبطة بأعمالهم.
كما أكد قدرته على كشف التشابهات والانتحال، وتحليل البنية اللغوية للنصوص، ومقارنة الأعمال وفق معايير رقمية ثابتة، بما يسمح بتقديم صورة شاملة عن كل مرشح.
وبالنسبة إليه، فإن حجم المنجز الثقافى، واستمرارية العطاء، والانتشار، والتأثير المعرفى، كلها مؤشرات يمكن قياسها وتحويلها إلى أرقام تساعد فى بناء قرار موضوعى.
ماذا اختارت الخوارزمية؟
عند تطبيق هذه المعايير على بعض فروع جوائز الدولة، ظهرت نتائج لافتة.
فى جائزة النيل للفنون، مالت المؤشرات الرقمية إلى الفنان فاروق حسنى، استنادًا إلى مسيرة فنية طويلة وحضور محلى ودولى واسع، فضلًا عن ارتباط اسمه بمشروعات ومؤسسات ثقافية كبرى تركت أثرًا ممتدًا فى المشهد الفنى.
وفى فرع العلوم الاجتماعية، رجحت الخوارزمية اسم د. ممدوح الدماطى، بالنظر إلى رصيده الأكاديمى والبحثى وإسهاماته فى مجال الآثار وإدارة المؤسسات الثقافية.
أما فى الجوائز التقديرية، فقد منحت البيانات أفضلية لعدد من الأسماء التى تجمع بين غزارة الإنتاج والحضور الثقافى الممتد، مثل الفنان محمد صبحى، والمخرج داوود عبد السيد، والناقد والمترجم د. أنور مغيث، ود. ليلى عبد المجيد، ود. مصطفى النشار، وغيرهم من أصحاب التجارب الطويلة والمؤثرة.
ولم تكن هذه الاختيارات ناتجة عن تفضيلات جمالية أو ذائقة فنية، بل عن قراءة رقمية لمؤشرات التأثير والإنتاج والانتشار.
القوة الحقيقية للآلة
خلال التجربة، بدا الذكاء الاصطناعى متفوقًا فى جانب محدد، هو القدرة على الفرز والتحليل.
فهو يستطيع مراجعة آلاف الصفحات فى وقت قصير، وإعداد تقارير مقارنة دقيقة، واستخراج أنماط يصعب على القارئ العادى ملاحظتها.
كما يمكنه مساعدة لجان التحكيم فى التأكد من استيفاء شروط الترشح، ورصد التشابهات النصية، وتحليل الخصائص اللغوية للأعمال المتقدمة، وتقديم مؤشرات كمية تدعم عملية التقييم.
وفى الجوائز التى تستقبل أعدادًا كبيرة من الأعمال، قد يوفر هذا الدور وقتًا وجهدًا كبيرين للمحكمين.
لكن مع التقدم فى التجربة، بدأ سؤال أكثر تعقيدًا يفرض نفسه: هل تكفى كل هذه القدرات لإصدار حكم نهائى على الإبداع؟
لحظة الاعتراف
عندما انتقل الحوار من الأرقام إلى جوهر العملية الإبداعية، جاءت الإجابة مختلفة.
فالذكاء الاصطناعى أقر بأنه يستطيع فهم الكلمات وتحليلها، لكنه لا يختبر المشاعر التى تحملها. يستطيع تفسير معنى الغربة أو الفقد أو الحنين، لكنه لا يشعر بها كما يشعر بها القارئ أو المبدع. وإذا كان قادرًا على تحليل بنية قصيدة أو رواية، فإنه لا يمتلك الذائقة الإنسانية التى تمكنه من إدراك أثرها الوجدانى أو تميزها الفنى.
كما أن العمل الإبداعى لا يعيش داخل النص وحده، بل داخل سياقه الثقافى والاجتماعى والتاريخى، فالمحكم البشرى يقرأ ما وراء الكلمات، ويستوعب الإشارات والرموز والخلفيات التى قد لا تظهر فى التحليل الرقمى.
ما الذى لا تستطيع الخوارزمية رؤيته؟
تكشف التجربة أن هناك فجوة واضحة بين قراءة البيانات وقراءة الإبداع.
فالآلة تستطيع قياس عدد الكتب، وعدد الدراسات، وحجم الحضور الثقافى، لكنها لا تستطيع قياس فرادة التجربة أو تأثيرها العميق فى الوعى الجمعى.
كما أن الخبرة التى يمتلكها النقاد والمفكرون وأعضاء لجان التحكيم لا تقوم فقط على المعلومات، بل على تراكم طويل من القراءة والمعرفة والتذوق والمقارنة بين التجارب المختلفة.
وهذه الخبرة هى التى تسمح أحيانًا بمنح الأفضلية لعمل استثنائى قد لا يتفوق رقميًا على غيره، لكنه يضيف جديدًا إلى الثقافة والفن.
بين الآلة والإنسان
لم تنتهِ التجربة بإعلان فائزين بقدر ما انتهت بإعادة طرح السؤال من زاوية جديدة.
فالذكاء الاصطناعى يبدو مؤهلًا للقيام بدور المساعد الخبير داخل منظومة الجوائز؛ يراجع ويفرز ويحلل ويقارن ويكشف الثغرات، لكنه لا يبدو قادرًا، على الأقل فى الوقت الراهن، على الحلول محل الإنسان فى إصدار الحكم النهائى.
لذلك فإن مستقبل التحكيم الثقافى قد لا يكون صراعًا بين الإنسان والآلة، بل شراكة بين الاثنين؛ تتولى فيها التكنولوجيا ما تجيده من سرعة ودقة، بينما تبقى الكلمة الأخيرة للخبرة الإنسانية القادرة على تذوق ما لا يمكن اختزاله فى الأرقام.
وربما كان أهم ما خرجت به هذه التجربة هو ذلك الاعتراف البسيط الذى لخص حدود التكنولوجيا كلها: «أستطيع فهم الكلمات... لكننى لا أستطيع الشعور بها».