د. آيات الحداد
فى عالم تتزايد فيه التحديات والضغوط اليومية، لم تعد الصحة النفسية رفاهية أو قضية هامشية، بل أصبحت أحد أهم مقومات بناء الإنسان وصناعة المستقبل. فكما نهتم بصحة أبنائنا الجسدية ونحرص على توفير التعليم الجيد لهم، يجب أن نولى الصحة النفسية الاهتمام ذاته، لأنها الأساس الحقيقى لشخصية متوازنة قادرة على التعلم والإبداع والعطاء.
وتشير العديد من الملاحظات الميدانية إلى أن بعض الأطفال والطلاب قد يعانون من مشكلات نفسية أو ضغوط عاطفية وسلوكية تؤثر على تحصيلهم الدراسى وعلاقاتهم الاجتماعية وثقتهم بأنفسهم، دون أن يتم اكتشافها أو التعامل معها فى الوقت المناسب. ومع مرور الوقت قد تتفاقم هذه المشكلات وتنعكس سلبًا على مستقبلهم العلمى والمهنى والاجتماعي.
ومن هنا أطرح فكرة مبادرة بعنوان «صحة نفسية أفضل اليوم... لمستقبل أقوى غدًا»، والغرض منها هو استهداف جميع المراحل التعليمية بدءًا من الحضانة وحتى الجامعة، بهدف نشر الوعى بأهمية الصحة النفسية، والاكتشاف المبكر لأى مؤشرات تستدعى الدعم أو المتابعة النفسية، وتوفير بيئة تعليمية أكثر أمانًا واحتواءً لأبنائنا.
وتقوم المبادرة على إدراج أدوات تقييم مبسطة ومناسبة لكل مرحلة عمرية، تحت إشراف متخصصين فى الصحة النفسية والتربية، بهدف التعرف المبكر على الطلاب الذين قد يحتاجون إلى دعم نفسى أو اجتماعي، مع ضمان السرية الكاملة واحترام خصوصية الطلاب وأسرهم.
كما تسعى المبادرة إلى تدريب المعلمين والأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين على اكتشاف العلامات المبكرة للمشكلات النفسية، وتعزيز ثقافة الحوار والدعم داخل المدارس والجامعات، بما يسهم فى الحد من ظواهر التنمر والعزلة والقلق والاكتئاب، ويدعم بناء شخصية سوية قادرة على مواجهة تحديات الحياة.
إن الاستثمار الحقيقى فى أى أمة يبدأ بالاستثمار فى الإنسان، ولا يمكن بناء جيل قوى ومبدع ومنتج دون أن يتمتع بصحة نفسية سليمة. فكل طفل يتم اكتشاف معاناته مبكرًا ومساعدته فى الوقت المناسب هو قصة نجاح جديدة، وكل طالب يحصل على الدعم النفسى الذى يحتاجه هو مشروع قائد أو عالم أو مبدع فى المستقبل.
إن بناء مستقبل أقوى لمصر يبدأ من الاهتمام بأبنائها اليوم، نفسيًا وتعليميًا وإنسانيًا، لأن الصحة النفسية ليست مجرد علاج لمشكلة، بل هى حجر الأساس فى بناء الإنسان وصناعة الأمل وتحقيق التنمية المستدامة.
وتعتمد المبادرة على تصميم أدوات تقييم نفسية مبسطة تتناسب مع الخصائص العمرية لكل مرحلة تعليمية، بحيث لا تهدف إلى تشخيص الأمراض النفسية، وإنما إلى رصد المؤشرات المبكرة التى تستدعى الدعم أو المتابعة المتخصصة.
ففى مرحلة الحضانة، تركز الأسئلة على المشاعر الأساسية ومدى اندماج الطفل مع أقرانه، مثل شعوره بالسعادة أثناء اللعب، ورغبته فى التفاعل مع الآخرين، ومدى شعوره بالخوف أو القلق بشكل متكرر.
أما فى المرحلة الابتدائية، فتتناول الأسئلة شعور الطالب بالأمان داخل المدرسة، وعلاقته بزملائه ومعلميه، ومدى استمتاعه بالأنشطة اليومية، وقدرته على التعبير عن مشاعره بصورة طبيعية.
وفى المرحلة الإعدادية، يتم التركيز على مؤشرات القلق والضغوط النفسية والثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية، من خلال أسئلة تقيس مدى شعور الطالب بالحزن أو التوتر، وتأثير ذلك على نومه أو دراسته أو تفاعله مع الآخرين.
أما طلاب المرحلة الثانوية، فتتناول الأسئلة بصورة أعمق الجوانب المرتبطة بالصحة النفسية فى مرحلة المراهقة، مثل الضغوط الدراسية، والشعور بالأمل تجاه المستقبل، ومستوى الرضا عن الذات، والقدرة على مواجهة التحديات والصعوبات اليومية.
وفى الجامعات، تركز أدوات التقييم على قياس تأثير الضغوط الأكاديمية والاجتماعية والاقتصادية على الطالب، ومدى تأثيرها على تحصيله العلمى وحياته اليومية، إضافة إلى تقييم الشعور بالعزلة أو فقدان الدافعية أو التعرض للضغوط النفسية المزمنة.
وتهدف هذه الأسئلة إلى تكوين قاعدة بيانات علمية تساعد المختصين على فهم احتياجات الطلاب النفسية بصورة أدق، وتوجيه الدعم والإرشاد والخدمات النفسية للفئات الأكثر احتياجًا، بما يضمن التدخل المبكر قبل تفاقم المشكلات، ويعزز بناء جيل أكثر صحة واستقرارًا وقدرة على الإنتاج والعطاء.
عضو مجلس النواب

دينا الصاوي تكتب: مواد الهوية.. هل يدفع الطلاب ثمن سنوات من الغياب؟
المونديال.. قراءة سياسية فى حسابات القوة الشاملة
صدق أو صدق قطر تهزم أمريكا!!





