يمثل الفلكلور الشعبي أحد أهم مكونات الهوية الثقافية لأي مجتمع، فهو الذاكرة التي تحفظ عبر مئات السنين الحكايات والأغاني والأمثال والطقوس والعادات التي شكلت وجدان الناس وذاكرتهم، وفي مصر ظل الفلكلور الشعبي حاضرا بقوة في تفاصيل الحياة اليومية من أغاني الأفراح والمناسبات إلى السيرة الهلالية والمواويل والحكايات الشعبية التي تناقلتها الأجيال شفاهيا.. لكن مع التطور التكنولوجي المتسارع وتغير أنماط الحياة وظهور وسائل التواصل الاجتماعي برزت تساؤلات عديدة حول مصير هذا التراث الشعبي.. هل مازال موجود كما كان؟، أم أنه اختفى تدريجيا أمام موجات الحداثة والتكنولوجيا؟، وإذا كان قد تغير فما الأسباب التي أدت إلى هذا التحول؟..
“أخبار النجوم” تحدثت إلى عدد من النقاد الموسيقيين لرصد التحولات التي طرأت على الفلكلور الشعبي المصري ومناقشة الفروق بين صورته القديمة و الحالية ومدى نجاح الأجيال الجديدة في الحفاظ على هذا التراث أو إعادة تقديمه بأشكال مختلفة؟

في البداية يقول الناقد الموسيقي عبد الرحمن طاحون، إن الحديث عن اختفاء الفلكلور الشعبي بشكل كامل ليس دقيق، لأن الفلكلور بطبيعته كائن حي يتغير بإستمرار مع تغير المجتمع الذي ينتجه، فالفلكلور في الماضي كان جزء أصيل من الحياة اليومية للناس، حيث كانت الأغاني الشعبية والحكايات والأمثال تنتقل بشكل طبيعي داخل البيوت والقرى والمناطق الشعبية دون الحاجة إلى وسائل إعلام أو مؤسسات ثقافية.
ويضيف طاحون أن المجتمع المصري كان يعتمد بدرجة كبيرة على التقاليد الشفاهية وهو ما ساعد على بقاء عناصر الفلكلور وانتشارها بين مختلف الطبقات الاجتماعية أما اليوم فقد تغيرت طبيعة الحياة بصورة كبيرة وأصبح الإنسان يعتمد على الهاتف المحمول والمنصات الرقمية للحصول على المحتوى الثقافي والترفيهي وهو ما أدى إلى تراجع بعض الأشكال التقليدية للفلكلور دون أن يعني ذلك اختفاءها.
ويشير طاحون إلى أن الأغنية الشعبية القديمة كانت تعبر عن البيئة المحلية بشكل مباشر، سواء من خلال الكلمات أو الألحان أو طريقة الأداء، ومن ينسى فاطمة عيد وأغنية “على بياعين العنب” و”أبويا وصاني”، بينما أصبحت الأغنية الحالية أكثر تأثرا بالإيقاعات العالمية والتقنيات الحديثة، وهذا التحول طبيعي، لأنه يعكس تغير المجتمع نفسه، لكن المشكلة تظهر عندما يتم تقديم أعمال تدعي الانتماء إلى الفلكلور دون امتلاك أي صلة حقيقية بجذوره أو قيمه الفنية.
ويؤكد طاحون أن بعض الفنانين الشباب نجحوا في إعادة اكتشاف التراث الشعبي وتقديمه بصورة معاصرة تحافظ على روحه الأساسية، مثل يسرا الهواري وفاطمة عادل وفرقة “مسار إجباري” الذين يقدمون أحيانا أشكال مستلهمة من الفلكلور، وحجازي متقال وفرقة “الطمي” التي تعيد إحياء التراث بلمسات معاصرة، وهو ما ساهم في تعريف أجيال جديدة بموروث ثقافي ربما لم تكن تعرف عنه الكثير، ومن قبله أغنية “ماتحسبوش يا بنات” التي غنتها الست توحيدة وأعاد تقديمها صلاح جاهين مع فرقة “المصريين” بكلمات جديدة في الثمانينيات، فالأجيال الحالية لا تعرف خضرة محمد خضر وأغنيتها الشهيرة “متى اشوفك يا قلبي اطمن”، وجمالات شيحة وأغنيتها “على ورق الفل دلعني”، وهناك بعض المطربين كأحمد مكي يستعينوا بمطربين المواويل والشعبي في أغانيهم الحديثة، والذي استعان بفاطمة عيد في أغنية “اسمع مني” التي حققت نجاحا كبيرا. وهذا التحدي الحقيقي لا يتمثل في تجميد الفلكلور عند شكل معين، بل في تطويره دون فقدان هويته الأصلية.

من جانبه يقول الناقد الموسيقي محمد شميس أن الفلكلور الشعبي شهد تحولات جذرية خلال العقود الأخيرة نتيجة تغير البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع، فالفلكلور قديما لم يكن مجرد أغنيات أو رقصات شعبية، بل منظومة متكاملة تشمل المعتقدات والعادات والحرف التقليدية وطرق الاحتفال بالمناسبات المختلفة، وجزء كبير من هذا التراث كان مرتبطا بالمجتمعات المحلية الصغيرة التي كانت تتمتع بقدر من الاستقرار والخصوصية الثقافية، لكن مع التوسع العمراني والهجرة من الريف إلى المدن وتراجع الروابط الاجتماعية التقليدية بدأت بعض المظاهر الفلكلورية تفقد حضورها الطبيعي في الحياة اليومية.
ويشير شميس إلى أن وسائل الإعلام الحديثة لعبت دور مزدوج في هذه القضية، فمن ناحية ساهمت في توثيق العديد من عناصر التراث الشعبي وحمايتها من الاختفاء، ففي الوقت التى اعادت وسائل الإعلام تقديم أغاني كثيرة إلا إنها من ناحية أخرى ساعدت على نشر أنماط ثقافية جديدة أكثر تأثير على الأجيال الشابة، وهو ما أدى إلى تراجع الاهتمام ببعض الموروثات التقليدية.
ويؤكد شميس أن الفلكلور لم يختف، لكنه انتقل من كونه ممارسة يومية تلقائية إلى مادة ثقافية يتم تذكرها في المهرجانات والاحتفالات والبرامج التلفزيونية والمشروعات الفنية، مؤكدا أن هذا التحول يعكس طبيعة العصر الحالي الذي أصبح يعتمد على إعادة إنتاج التراث داخل إطار مؤسسي وإعلامي بدلا من انتقاله العفوي بين الناس، كما كان يحدث في الماضي.. كما إن ظهور بعض الاتجاهات الموسيقية الجديدة يمكن النظر إليه باعتباره إمتداد معاصر للثقافة الشعبية، حتى وإن اختلفت الأراء حول قيمته الفنية، لأن الثقافة الشعبية بطبيعتها تعبر عن الواقع الاجتماعي وتستجيب للتغيرات التي يشهدها المجتمع في كل مرحلة زمنية.

أما الناقد الموسيقي أمجد جمال فيقول أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الفلكلور الشعبي قد اختفى أم لا؟، بل كيف تغيرت وظيفته داخل المجتمع المصري، فالفلكلور في الماضي كان يؤدي دور اجتماعي وثقافي مباشر، حيث ارتبط بالمناسبات والاحتفالات والعمل والحياة اليومية، بينما أصبح اليوم يؤدي أدوارا مختلفة تتعلق بالحفاظ على الهوية وإبراز الخصوصية الثقافية في مواجهة التكنولوجيا.
ويضيف جمال أن الأجيال السابقة كانت تتعامل مع الفلكلور باعتباره جزء طبيعي من حياتها، بينما تتعامل معه الأجيال الحالية باعتباره تراث يحتاج إلى الاكتشاف والتعلم، لذلك أصبح حضور الفلكلور مرتبطا أكثر بالمؤسسات الثقافية والمبادرات الفنية والمشروعات الأكاديمية التي تسعى إلى توثيقه وإعادة تقديمه.
ويشير جمال أن التكنولوجيا لم تكن سببا في اختفاء الفلكلور كما يعتقد البعض، بل أصبحت أداة مهمة في حفظه ونشره، فالكثير من الأغاني الشعبية القديمة والسير والحكايات التراثية التي كانت مهددة بالضياع أصبحت متاحة اليوم عبر المنصات الرقمية، ويمكن الوصول إليها بسهولة من أي مكان في العالم.
كما يرى جمال أن التحدي الأكبر يتمثل في تحقيق التوازن بين الحفاظ على الأصالة والانفتاح على التطوير، فالفلكلور لا يمكن أن يبقى حيا إذا تم التعامل معه باعتباره قطعة جامدة في المتحف.. كما أنه يفقد قيمته إذا جرى تشويهه أو فصله تماما عن جذوره التاريخية والثقافية.
ويؤكد جمال أن نجاح أي تجربة معاصرة في توظيف التراث الشعبي يعتمد على فهم عميق للمادة الأصلية واحترام خصوصيتها، مشيرا إلى أن بعض الأعمال الموسيقية والدرامية الحديثة قدمت نماذج ناجحة استطاعت المزج بين التراث والحداثة دون أن تفقد هويتها.
اقرأ أيضا: أطفال يقدمون عروضًا من الفلكلور الشعبي أمام رئيس الوزراء بالأقصر
« من تورونتو إلى تريند العالم» .. حقيقة علاقة مبابى ونورا فتحى تحت أضواء كأس العالم
متقال .. صوت الجنوب الذى ابهر العالم
طوفان من الأجزاء السينمائية





