بين عشرات الأصوات والعازفين الذين خرجوا من قلب الريف والصعيد، يظل اسم الريس متقال ـ الذي حلت ذكرى وفاته أمس الأربعاء الـ17 من يونيو - بوصفه واحدا من أهم مقدمي فنون الفلكلور الشعبي، وأبرز حراسه ممثليه.. فلم يكن مجرد عازف موهوب على آلة عتيقة لها سحرها الذي ارتبط بآذان أجيال من المستمعين، أو حتى مطرب شعبي نجح في تحقيق شهرة واسعة، بل كان أقرب لحالة فنية خاصة، ومتكاملة العناصر والسمات، استطاعت أن تختصر روح الجنوب المصري وتعبر عنه بكل ما يحمله من عادات وموروثات وثقافات، وأن تنقلها من ساحات الأفراح والموالد بالقرى والنجوع إلى المسارح الكبرى والمهرجانات الدولية، لتصبح موسيقاه أحد الوجوه المضيئة للهوية المصرية، والموروث الثقافي الأصيل لهذا البلد.
ربما كانت خصوصية تجربة الريس متقال وغيره من مقدمي هذه الفنون نابعة من كونها تجارب لم يأت من عالم الفن الرسمي أو مؤسساته التقليدية، وإنما خرجت من قلب البيئة الشعبية نفسها، حيث التجربة والعظة والحكمة الصادقة، الأمر الذي منح تجربته قدرا كبيرا من الصدق والعفوية، وجعلها أكثر قدرة على البقاء والتأثير رغم تغير الأزمان والأذواق.
نشأ الريس متقال في محافظة قنا، إحدى أهم محافظات صعيد مصر، وأكثرها ثراءً بالموروثات الشعبية والفنية. وفي تلك البيئة التي كانت الموسيقى جزءا أصيلا من تفاصيل الحياة اليومية، تشكل وعيه الفني، بين الأفراح الشعبية، وحلقات الذكر، وأناشيد الموالد والمناسبات، التي اكتشف معها ولعه، واكتسب ثقافته الخاصة من مئات السير الشعبية، وبين إيقاعات المزمار الشعبي والربابة، وحكم ومواعظ المواويل، اكتسب متقال المقومات والدعائم الأساسية التي قام عليها فيما بعد مشروعه وتجربته الفنية.
ولأن الفن الشعبي لا يعتمد في الأصل على المناهج أو المعاهد بقدر اعتماده على التلقي المباشر والمعايشة اليومية، فقد كانت البيئة هنا هي المدرسة الأولى التي تعلم فيها الريس متقال أسرار هذا الفن وأصوله.
ومثل الكثيرين من أبناء الفن الشعبي، لم يتتلمذ الريس متقال على يد أستاذ واحد بعينه، وإنما تشكلت خبراته من خلال الاحتكاك المباشر بعدد كبير من شيوخ الغناء والعزف الشعبي في قرى ونجوع الصعيد، ممن تركوا بصماتهم الواضحة في أسلوبه وأدائه، ذلك إلى جانب موهبته التي ارتكزت على عدة مقومات، إلى جانب حلاوة الصوت ومهارات العزف، فقد كان بارعا في فنون الارتجال، والقدرة على التواصل مع الجمهور، فضلا عن كيفية التعامل مع الموسيقى باعتبارها كائنا حيا يتطور مع الأداء. ومن خلال هذا الإرث المتراكم استطاع الريس متقال أن يصوغ شخصيته الفنية الخاصة، محتفظا بأصالة ما تعلمه، ومضيفا إليه لمساته التي جعلته مختلفا عن غيره من أبناء جيله.
لغة البسطاء
امتاز الريس متقال بقدرته الفريدة على التعبير عن مشاعر الناس البسطاء بلغتهم اليومية، دون أن يفقد أعماله قيمتها الفنية أو عمقها الإنساني. فالأغنيات التي قدمها لم تكن مجرد نصوص للغناء، بل كانت مرآة لحياة الناس، تنقل أفراحهم وأحزانهم وأحلامهم وعاداتهم وتقاليدهم. وكانت هذه البساطة واحدة من أهم أسرار نجاحه؛ إذ نجح في أن يجعل المستمع يشعر بأن الأغنية تحكي جزءًا من حياته الشخصية، وهو ما منح أعماله حالة من الصدق والعفوية جعلتها أكثر قدرة على البقاء في الوجدان الشعبي.
نقطة تحول
لم تأت شهرة الريس متقال بين ليلة وضحاها، بل كانت نتاج سنوات طويلة من التعلم والممارسة والتجربة. فقد بدأ مشواره عازفًا للمزمار البلدي، وهي آلة تحتاج إلى مهارات استثنائية في التحكم بالنفس والإيقاع والقدرة على الارتجال، ذلك قبل أن يلفت الأنظار تدريجيا بموهبته الفريدة. ومع مرور الوقت استطاع أن يكون فرقته الخاصة التي حملت اسمه، لتصبح واحدة من أشهر الفرق الشعبية المصرية، وتتحول إلى مدرسة فنية قائمة بذاتها تستلهم روح التراث الصعيدي، وتعيد تقديمه للأجيال الجديدة بروح ورؤية معاصرة تناسب ذلك الوقت، وكانت تلك الخطوة بمثابة نقطة التحول الأبرز في مشواره، وبفضل موهبته اللافتة وحضوره المميز، بدأت شهرة الريس متقال تتجاوز حدود محافظات الصعيد، ليصبح اسما معروفا لدى جمهور أوسع في مختلف أنحاء مصر. وساهمت مشاركاته في الحفلات الجماهيرية والبرامج الإذاعية والتليفزيونية في تعريف قطاعات جديدة من الجمهور بفنه، كما لعبت فرقته دورا مهما في تقديم صورة حية للفنون الشعبية المصرية في وقت كانت فيه الأغنية الحديثة تسيطر على المشهد الفني. وبمرور السنوات أصبح الريس متقال واحدًا من أبرز الأسماء التي تستدعى سيرتها كلما جرى الحديث عن التراث الشعبي وموسيقى الصعيد. إذ انتقل من نطاق المناسبات المحلية المحدودة بالقرى و النجوع، إلى آفاق أوسع من الانتشار.
سفير الجنوب
ومع تزايد الاهتمام العالمي بالموسيقى التقليدية والتراثية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، بدأت الفنون الشعبية المصرية تجد طريقها إلى عدد من المهرجانات والمحافل الدولية. وكان الريس متقال من بين الفنانين الذين أسهموا في تقديم صورة متميزة لهذا التراث خارج الحدود المصرية، من خلال العروض التي شارك فيها مع فرقته في عدد من الفعاليات الثقافية المهتمة بالموسيقى الشعبية والفلكلور. حيث قدمت فرقته عروضا في دول أوروبية عدة، من بينها فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا، حيث لاقت موسيقاه اهتماما من جمهور وجد فيها نموذجا حيا لفن حافظ على أصالته رغم مرور الزمن. وكانت هذه المشاركات أكثر من مجرد حفلات فنية، إذ تحولت إلى فرصة للتعريف بالثقافة المصرية الشعبية، وإبراز ثراء التراث الموسيقي القادم من جنوب مصر.
مدرسة فنية
لم يكن الريس متقال أول من قدم الفلكلور الشعبي، كما لم يكن الأبرز بين نجومه من حيث الموهبة وحسن الأداء، ورغم ذلك استطاع أن يقدم نموذج مختلفا، ومشوار وتجربة تستحق التأمل ذلك بفضل عدة عوامل من بينهم موهبته التي جمعت بين مهارة العزف وحسن الأداء والصوت الجيد، بالإضافة إلى بعض المقومات الشخصة التي تمتع بها كالحضور، والبراعة في التواصل مع الجمهور بشكل مستمر، إلى جانب قدرته على الارتجال، وإجادة التعامل مع الموسيقي بفطرة وسلاسة غير معهودة، وكأنه حوار متناغم بين الكلمة والإيقاع.
ذلك إلى جانب عوامل أخرى، منها حرصه الشديد طيلة مشواره على التمسك بالقواعد التراثية للموسيقي الشعبية، ورفضه الانسياق وراء موجات التجديد التي افتقدت معها أغاني الفلكلور الشعبي في فترة من الزمن لونها وخصائصها.. ورغم كل ما ذكر يظل أهم هذه العوامل هو شخصية الفنان الشامل، متعدد المواهب التي كانت بداخله، والتي أهلته للجمع بين أدوار متعددة في آن واحد، فهو العازف وقائد فرقة والمطرب والمؤد الشعبي أيضا.
آثر لا يزول
ربما ظهر بعد الريس متقال عشرات العازفين والمطربين الشعبيين، وربما حقق بعضهم شهرة أكبر في زمن الفضائيات ووسائل الإعلام الحديثة، إلا أن مكانة الريس متقال ظلت مختلفة. فهو لم يكن مجرد فنان ناجح، بل كان رمزا لمرحلة كاملة من تاريخ الفلكلور المصري، وأحد الوجوه التي ارتبطت في الذاكرة الجمعية للمصريين بالمزمار الشعبي وتراث الجنوب. لقد رحل متقال، لكن بقي صوته وعزفه شاهدين على زمن كانت فيه الموسيقى الشعبية مرآة صادقة لحياة الناس، وبقي اسمه كأحد الأسماء التي حفظت جانبا مهما من الهوية الثقافية المصرية.
« من تورونتو إلى تريند العالم» .. حقيقة علاقة مبابى ونورا فتحى تحت أضواء كأس العالم
النقاد : الفلكلور المصرى لن يختفى
طوفان من الأجزاء السينمائية





