نورهان أبو عوف
الموت يرتكب حماقة كبرى حين يظن أنه غيّب سيد العديسى؛ الذين يكتبون الحياة والذين يتركون أرواحهم مشاعًا فى نصوصهم، لا يموتون أبدًا، ولا تطالهم فكرة الفناء الكلاسيكية، حضور هذا الرجل يتجاوز فكرة الذكريات المؤطرة؛ إنه يتجسد الآن كصوتٍ حى يفكك كل مراوغة، ويصفع الجميع بالصدق فى كل ثانية، تجربته الشاهقة وقصيدته علمتنى أن الشاعر هو من يمتلك شجاعة مواجهة مرآته حتى النهاية، لا مجرد مالك لغة منمقة.
أخبرنى العديسى قبل مشاركتى نصوصى الأولى، إن النشر وقراءة الشعر أمام الآخرين يحملان نوعًا من المسئولية؛ قال لى إنها اللحظة التى تكسرين فيها صمتك لتقولى للعالم إنكِ صرتِ شاعرة، وهذا يعنى أنكِ مطالبة بصدقٍ جارح لا يرحم.
كان أول من قرأ نصوصي، وأكثرهم إيمانًا بضرورة خروجها للنور، يقرأ قصائدى قبل الجميع، ثم يضحك حين تلقى استحسانًا ويقول: «الأوساط بتستقبل نصوصك كأنها ألبوم جديد لمنير». وبعدها يعود فجأة إلى نبرته الجادة ليذكرنى بقاعدته: «أنا أجامل فى كل شيء إلا الشعر». كان يرى أن أخطر ما قد يحدث لكاتب هو أن يطمئن مبكرًا؛ لذلك ظل يدفعنى دائمًا لأن أذهب أبعد، وأن أظل خائفة على النص مهما بدا ناجحًا ومحتفىً به.
كان يقرأ القصائد بحساسية من يرى النص كائنًا حيًّا لا يقبل الزيف؛ يفكك تفاصيله حتى أصغر مفرداته ليمنحه الصدق، ويدهشنى بقدرته على اقتناص الحالة الشعرية فى كلامى العابر، محرضًا إياى دائمًا بكلمته التى لا أنساها: «كرى الخيط واجري»، قبل أن تهرب الشرارة.
تجربته الشعرية علمتنى ألا أكتب إلا من بوابتى الخاصة، فهو كارهًا للعموميات التى لا وجه لها، ومؤمنًا أن الشاعر، كلما غاص فى تفاصيل يومه الصغير وألمه الخاص، صار أكثر قدرة على التعبير عن العالم بأسره، كان يرى أن على الشاعر أن يعبّر عن العالم من خلال هذه البوابة الذاتية؛ فيتجاوز الشعارات الفضفاضة من عينة «يعادينا الكون» وتغتصبنا الظروف»، ليقول ببساطة إنه لم يجد فى جيبه ثمن قلم أو رغيف.
كان فى انتقالاته الحوارية حالةً من الغرابة المدهشة؛ فبينما نغوص فى تحليل قصيدةٍ، يقفز فجأة للحديث عن غناء «الكف» الصعيدي، ثم يباغتنى بقراءة مقطعٍ من شعره، فإذا أخبرته أننى أحفظه، يضحك بتواضعٍ محبب: «دانا شاعر معروف بقى!». كان يحمل هذه الخفة الاستثنائية حتى وهو يلامس أكثر جراحه ألما.
لم يُحَط العديسى نفسه بأية هالة تضع بينه وبين الناس مسافة، بل كان خفيفًا يشارك بسطاء الناس جلسات «الدومينو»، بذكاءٍ وندية جعلت منه رفيقًا محبوبًا للجميع، ومنحته جذوره الصعيدية شجاعةً نادرة فى تسمية الأشياء بأسمائها ومواجهة العالم دون أقنعة، ولعل عبارته: «الوحدة أفضل من ونس كداب» كانت تختزل جوهره كله؛ فقد رفض الزيف، وعاش حياته كما يكتب قصيدته: بصدقٍ كامل.
كان سيد العديسى يحمل براءة حقيقية وطيبة نادرة وجوهرًا إنسانيًا خالصًا، بدرجة لم أقع على شبيه لها قط فى حياتي؛ إنسان يحيطك برعاية صادقة دون أن ينتظر شيئاً، ولعل أكثر ما يدهشنى ويحيرنى الآن حين أتأمله، هو ذلك الحدس الغريب الذى كان يملكه تجاهي؛ إذ كان يشعر دائماً بأننى «ابنة موت»، وكان يقول لى بوضوح إنه يخاف أن أموت فى سن صغيرة، كان هذا الهاجس يجعله حريصاً طوال الوقت على ألا أتوقف عن الكتابة، كأنه يستعجلنى لأنجز ما أحب قبل أن يباغتنى الوقت.
لكن المفارقة الموجعة تكمن هنا؛ رحل هو فجأة وتردّت عليّ وحشة غيابه، فى حين أننى لم يتسلل إلى ظنى يومًا، ولو للحظة واحدة، أنه هو من سيموت أولاً.
العديسى هو من جعلنى أفهم أن القصيدة امتداد لصاحبها؛ لذلك يبدو غيابه غير منطقى حتى الآن، كأننى ما زلت أنتظر رسالته التالية، أو ملاحظته الحادة، أو ضحكته وهو يقول بمحبة: «كرى الخيط واجري».
صلاح دندش يكتب: تخاريف
أيمن بدرة يكتب: المناخ الرياضي الملوث
شوقي حامد يكتب: الآمال معقودة والرجاء موجود





