بعد الاختصار

حرب وسلام وذكاء اصطناعى

عمرو جلال
عمرو جلال


المحادثات كانت على صفيح ساخن لأن «ترامب» قرر قبل القمة بساعات حظر أحدث نماذج «أنثروبيك».
 

فى مشهد نادر تداخلت فيه ملفات الحرب والسلام والتكنولوجيا والاقتصاد فى آن واحد، تابعنا طوال الأسبوع الماضى كيف تحولت مدينة «إيفيان» الفرنسية، موطن مياه «إيفيان» الشهيرة، إلى مركز ثقل حقيقى للسياسة الدولية، حين جمعت قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى قادة العالم الأقوى. ووسط هذا الحشد الكبير من صناع القرار العالمي، كانت مصر حاضرة بثقل استراتيجى لافت لم يمر دون أن تلتفت إليه وسائل الإعلام والصحافة الدولية.


صحيفة «آرب نيوز»، وهى من أبرز الصحف الإنجليزية والمتخصصة فى شئون المنطقة، أبرزت موقف الرئيس عبد الفتاح السيسى القوى والحازم من القضية الفلسطينية داخل أروقة القمة، حين طالب إسرائيل بوقف خطتها للسيطرة على سبعين فى المئة من قطاع غزة، قائلا إن ثلاثين فى المائة فقط من القطاع باتت متبقية فعليا للشعب الفلسطيني، وهذا النهج يجب أن يتوقف فورا.. حديث الرئيس كان فى جلسة موسعة حضرها قادة مجموعة السبع والقيادة الأوروبية، وهناك وصل صوت القاهرة عاليا وواضحا.


أما وسائل الإعلام الأوروبية فقد أفردت تقارير خاصة لتحليل هذا الحضور المصرى المؤثر. ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن قصر «الإليزيه» تأكيده بأن مصر كان لها صوت مسموع ومؤثر فى مداولات القمة، فى حين وصفت وكالة «إيتالبرس» الإيطالية مصر بأنها تتمتع بثقل سياسى كبير ومصداقية دبلوماسية عالية جعلتها الطرف المؤهل للحديث باسم العالم العربى وإفريقيا فى آن واحد، وهو ما أيدته صحيفة «إيه بى سي» الإسبانية بوصفها مصر لاعبا أساسيا والوسائط الآمين فى جهود الوساطة الإقليمية.

ومن جانبها، أبرزت وكالة «رويترز» اللقاء الهام الذى جمع الرئيس عبد الفتاح السيسى بنظيره الأمريكى دونالد ترامب على هامش أعمال القمة، حيث لم تكتف القاهرة ببحث الملفات الإقليمية الساخنة والملف الإيراني، بل طرحت بقوة ملف سد النهضة الإثيوبى على طاولة المباحثات كقضية أمن مائى وجودية. وقد اتسمت الاستجابة الأمريكية بلهجة لافتة، حيث أعرب «ترامب» عن تفهمه الكامل لتأثير الأزمة على مصر، مؤكدا أن إثيوبيا تتعامل بطرق غير منصفة، ومتعهدا بمساهمة الولايات المتحدة فى إيجاد حل يحمى حقوق مصر المائية.


قمة إيفيان لم تكن ساحة للدبلوماسية وحدها، إذ دخلت إلى قلب طاولة الكبار قضية من نوع مختلف تماماً.. حديث مكثف عن الذكاء الاصطناعى فى قمة المفترض أنها تعج بملفات الحرب والسلام، والقضية الفلسطينية وهجمات على إيران كادت تؤدى إلى انهيار اقتصادى عالمى وحرب إقليمية واسعة النطاق. لقد شهدت القمة لحظة غير مسبوقة حين جلس كل من «سام ألتمان» رئيس شركة «أوبن إيه آي»، و«داريو أمودي» رئيس شركة «أنثروبيك»، و«ديميس هاسابيس» رئيس «جوجل ديب مايند»، إلى جانب الرئيس «ترامب» والزعماء الحاضرين فى جلسة مخصصة للذكاء الاصطناعي.


المحادثات كانت على صفيح ساخن لأن «ترامب» قرر قبل حضور القمة بساعات حظر أحدث نماذج الذكاء الاصطناعى لشركة أنثروبيك الأمريكية بدواعى الأمن القومى السيبراني..

أسباب الحظر تعود إلى أن هذين النموذجين يمتلكان قدرة مرعبة على اكتشاف ثغرات أمنية حرجة فى أنظمة التشغيل العالمية ومتصفحات الإنترنت، بعضها لم يكتشف منذ ثلاثين عاما، مما أثار ذعر الحكومة الأمريكية من إمكانية استغلاله لضرب البنية التحتية للدول.

هذا الحظر الأمريكى أثار علنا حفيظة الرئيس الفرنسى «إيمانويل ماكرون»، الذى انتقد الخطوة محذرا من أن سياسة الحجب المفاجئ ستعصف بالثقة العالمية فى التكنولوجيا الأمريكية برمتها إذ لن يشترى أحد تقنية يمكن حجبها بجرة قلم فى أى وقت. وهنا تجدر الإشارة إلى أن من يملك الذكاء الاصطناعى الأكثر تطورا أصبح يملك نفوذا لا يقل عمن يملك السلاح النووي..

المقارنة بين الاثنين لم تعد مجازا أدبيا...«وارن بافيت»، أحد أهم العقول الاقتصادية فى العالم، شبّه الذكاء الاصطناعى صراحة بالسلاح النووى قائلا إنه كالمارد الذى خرج من القمقم ولا يمكن إعادته، ومحذرا من أن التكنولوجيا النووية انتشرت من دولة إلى تسع دول، وأن الذكاء الاصطناعى سيسلك المسار ذاته.


أعتقد شخصيا أن العقد القادم سيشهد تحولا جوهريا فى طبيعة القوة فى العالم، فالدولة التى ستمتلك النموذج الأكثر تطورا ستمتلك القدرة على السيطرة على أنظمة الدول، وتشكيل الرأى العام، وإدارة الاقتصادات، وقد يصبح رؤساء شركات التكنولوجيا هم قادة القوى الكبرى فى العالم.


ما جرى فى «إيفيان» لم يكن مجرد قمة عادية بل علامة مهمة فى مرحلة فارقة جمعت بين ملفات الحرب والسلام والتكنولوجيا والاقتصاد فى لحظة واحدة، وكانت مصر جزءا أصيلا من هذا المشهد لا ضيفا على هامشه.