لاعب الملاكمة فقد حياته بسبب الغدر

الضحية
الضحية


بورسعيد‭: ‬أيمن‭ ‬عبد‭ ‬الهادي ‬

 

بينما كان طالب كلية الحقوق وبطل الملاكمة بمحافظة بورسعيد محمد مجدي أيمن يجلس في إحدى لياليه الأخيرة بين كتبه وأوراقه، يراجع ما تبقى من دروس استعدادًا لامتحانه الجامعي، أخذ يرسم في خياله ملامح المستقبل الذي طالما حلم به، شاب في العشرين من عمره، يطمح إلى التفوق في دراسته، وأن يصبح يومًا ذى شأن محامي يدافع عن حقوق المظلومين يقف في ساحات العدالة مرتديًا روب المحاماة الذي أحبه منذ سنوات الدراسة الأولى، لكن ما كان القدر يخبئه له فاق كل توقعاته.

لم يكن محمد مجدي يعلم أن الساعات القليلة التي تفصله عن امتحانه ستكون الأخيرة في حياته، وأن حلمه الذي عاش من أجله سيتوقف فجأة بطعنة نافذة في القلب، لتتحول قصة شاب مجتهد إلى واحدة من أكثر القضايا التي هزت محافظة بورسعيد وأبكت آلاف المواطنين.

في صباح بدا عاديًا مثل أي صباح آخر، خرج محمد من منزله بمنطقة الزهور، كان الطالب المتفوق يستعد لأداء أحد امتحاناته بكلية الحقوق، يحمل بين يديه أحلامًا بسيطة تشبه أحلام آلاف الشباب، لم يفكر سوى في مستقبله ودراسته والنجاح الذي كان يسعى إليه بخطوات ثابتة، لكن القدر كان يخبئ له نهاية مأساوية لم يتوقعها أحد.

بين الدراسة والرياضة

تشير التحقيقات الأولية إلى أن أحد الأشخاص استدعاه إلى خارج المنزل، وما أن التقيا حتى نشبت بينهما مشاجرة انتهت باعتداء المتهم عليه بسلاح أبيض، محدثًا إصابة نافذة بالقلب، سقط محمد غارقًا في دمائه وسط صدمة الأهالي والمارة الذين سارعوا لمحاولة إنقاذه.

نُقل الشاب إلى مستشفى الزهور في محاولة للحاق به، لكن الإصابة كانت قاتلة، دقائق قليلة كانت كافية لينطفئ قلب الشاب الذي كان ينبض بالأمل والطموح، ويعلن الأطباء وفاته متأثرًا بإصابته.

الخبر انتشر كالصاعقة في شوارع بورسعيد، ولم يصدق زملاؤه في كلية الحقوق أن الشاب الذي كان يذاكر ويؤدى الامتحان معهم قبل ساعات قليلة أصبح جثمانًا داخل المشرحة، ولم يستوعب أصدقاؤه في الملاكمة أن البطل الرياضي الذي اعتاد الوقوف شامخًا فوق الحلبة رحل بهذه السرعة.

أما داخل منزل الأسرة، فكانت المأساة أكبر من أن توصف بالكلمات، انهارت والدة محمد فور علمها بالخبر، وجلست تردد كلمات امتزجت فيها الدموع بالحسرة، وهي تتحدث عن ابنها الوحيد الذي كان يمثل لها كل شيء في الحياة.

قالت الأم بصوت متقطع من شدة البكاء: ابنى كان يستعد للامتحان ويقضي معظم وقته بين الدراسة والرياضة، مؤكدة أنه لم يكن صاحب مشاكل أو خلافات مع أحد، وكان معروفًا بين الجميع بحسن الخلق والاحترام، وأضافت أن الأسرة لم يكن لديها سوى محمد وشقيقته، وأنه كان السند والأمل الذي تعلقت به الأسرة طوال السنوات الماضية.

وفي لحظة مؤثرة أبكت كل من استمع إليها، قالت الأم: خرج من البيت وما رجعش، جملة قصيرة، لكنها اختصرت حجم المأساة التي تعيشها الأسرة منذ وقوع الجريمة.

ومع صدور قرار تشييع الجثمان، تحولت جنازة محمد مجدي إلى مشهد إنساني بالغ التأثير، حيث خرج المئات من أهالي بورسعيد وطلاب جامعة بورسعيد وطلاب كلية الحقوق وأصدقاء الشاب الراحل للمشاركة في وداعه الأخير. امتلأت الشوارع بالمشيعين الذين ساروا خلف النعش في صمت تارة وبدموع وانهيار تارة أخرى.

كانت لحظات الوداع قاسية على الجميع، انهار عدد من زملائه بالبكاء وهم يتذكرون أحلامه وطموحاته التي انتهت فجأة. وتعالت الدعوات له بالرحمة والمغفرة.

وفي مشهد أبكى الحاضرين، ارتمت شقيقته في أحضان والدها وهي تصرخ من هول الصدمة مرددة كلمات موجعة عن رحيل شقيقها الذي كان الأقرب إلى قلبها، أما الأم، فلم تستطع الابتعاد عن قبر ابنها بعد الدفن، واحتضنت التراب الذي وُوري فيه جثمانه في لحظات مؤلمة جسدت حجم الفاجعة التي ألمت بالأسرة.

خلافات أصدقاء

على الجانب الآخر، بدأت الأجهزة الأمنية تحركاتها المكثفة لكشف ملابسات الجريمة، فور تلقي البلاغ، وجه اللواء محمد الجمسي مساعد وزير الداخلية مدير أمن بورسعيد بتشكيل فريق بحث جنائي برئاسة اللواء ضياء زامل مدير المباحث الجنائية، لكشف تفاصيل الواقعة وضبط مرتكبها، وخلال فترة قصيرة، نجحت الأجهزة الأمنية في تحديد هوية المتهم وضبطه واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حياله، فيما باشرت النيابة العامة تحقيقاتها للوقوف على كافة ملابسات الحادث، وقررت حبس المتهم 4 أيام على ذمة التحقيق.

ومع تقدم التحقيقات، بدأت تفاصيل جديدة تتكشف أمام الرأي العام، المستشار أحمد العتال، أحد أعضاء هيئة الدفاع عن أسرة المجني عليه، أكد أن التحقيقات أشارت إلى أن الجريمة ارتُكبت باستخدام مطواة، موضحًا أن القضية تُصنف قانونيًا باعتبارها جناية قتل مع سبق الإصرار والترصد وفقًا لما كشفت عنه التحقيقات.

وأضاف؛ أن فريق الدفاع سيواصل متابعة القضية خلال جميع مراحل التقاضي حتى يحصل المجني عليه على حقه كاملًا، مؤكدًا ثقته في عدالة القضاء المصري.

ولم يتوقف الحزن عند حدود الأسرة أو الجامعة فقط، فقد تحولت قضية محمد مجدي إلى محل اهتمام بين أهالي بورسعيد، وامتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بصور الشاب الراحل ورسائل الدعاء له والمطالبة بالقصاص العادل.

كما حرصت جماهير النادي المصري على تخليد ذكراه بطريقتها الخاصة، حيث رفعت صورته خلال إحدى المباريات، في رسالة حملت معاني التضامن مع أسرته والتأكيد على المطالبة بحقوقه.

وفي بيان مؤثر، نعت كلية الحقوق بجامعة بورسعيد الطالب الراحل، مؤكدة أنه كان نموذجًا للطالب المجتهد حسن الخلق، وقدمت خالص العزاء لأسرته وزملائه.

رحل محمد مجدي قبل أن يؤدي امتحانه، وقبل أن يرتدي روب المحاماة أو يجلس يومًا على منصة العدالة التي حلم بها طويلًا، رحل قبل أن يحقق أحلامه التي عاش من أجلها، لكنه ترك خلفه قصة مؤلمة عن شاب كان يسير في طريق المستقبل، فقطعته يد الغدر في منتصف الطريق.

ويبقى السؤال الذي يردده أهالي بورسعيد حتى الآن: كيف يمكن لشاب في مقتبل العمر، عرفه الجميع بالأخلاق والاجتهاد والرياضة، أن تنتهي حياته بهذه الصورة المأساوية؟

ويبقى الأمل معقودًا على أن تقول العدالة كلمتها، وأن ينال كل من تورط في هذه الجريمة العقاب الذي يستحقه، حتى تهدأ قلوب أسرة ما زالت تنتظر القصاص لابنها، وحتى يظل اسم محمد مجدي حاضرًا باعتباره شابًا حلم بالعدالة، قبل أن يتحول هو نفسه إلى ضحية تنتظر العدالة.

;