ياسر عبد العزيز يكتب: نبوءة حياتو عمرها 14 عامًا «الماما أفريكا» هل ترفع الكأس؟

ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز


منذ نحو 14 عامًا، وتحديدًا فى عام 2012، وقف الأسد الكاميرونى عيسى حياتو شامخًا خلال احتفالات الاتحاد الأفريقى لكرة القدم بمرور 55 عامًا على تأسيسه، وأطلق تصريحًا بدا للكثيرين حينها أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع..قالها بثقة القادة الذين يقرأون المستقبل قبل أن يراه الآخرون: «قريبًا جدًا سنرى منتخبًا أفريقيًا بطلًا لكأس العالم».

مرت الكلمات كنسمة عابرة فى آذان البعض، وقوبلت بالسخرية من آخرين، بينما اعتبرها كثيرون مجرد أمنية رومانسية لرجل أفنى عمره فى خدمة الكرة الأفريقية.

لكن بعض النبوءات لا تُفهم لحظة إطلاقها؛ بل تُفهم عندما يبدأ التاريخ فى تنفيذها.

فى مونديال قطر 2022، اقتربت أفريقيا من تحقيق الحلم أكثر من أى وقت مضى، عندما شق المغرب طريقه إلى نصف النهائي، محطمًا حاجزًا نفسيًا ظل عصيًا على القارة لعقود طويلة، ومعلنًا أن زمن المستحيل الأفريقى قد انتهى..ظن البعض أن ما حدث فى قطر كان استثناءً.

لكن افتتاح مونديال 2026 جاء ليقول شيئًا مختلفًا تمامًا، جاء ليؤكد أن ما حدث فى الدوحة لم يكن معجزة عابرة ؛ بل كان الفصل الأول من قصة أكبر..قصة قارة تستيقظ..وقارة تعرف جيدًا إلى أين تريد الوصول.

الرأس الأخضر وقف أمام إسبانيا بلا خوف ولا رهبة، وانتزع تعادلًا بطعم الانتصار، فى مباراة أكدت أن الفوارق التاريخية لم تعد تعنى شيئًا داخل المستطيل الأخضر.

والكونغو الديمقراطية قدمت عرضًا بطوليًا سيظل محفورًا فى ذاكرة البطولة، بعدما أرغمت البرتغال منافسها الأوروبى العملاق على النجاة بنقطة ثمينة، وكانت أقرب إلى كتابة واحدة من أكبر مفاجآت المونديال.

أما المغرب؛ فبدا وكأنه يحمل معه روح قطر إلى أمريكا الشمالية..الثقة نفسها..الشخصية نفسها..والإيمان نفسه مستثمرا جيلا اولمبيا كاملا بقيادة مدربه محمد وهبى تم تصعيدهم بعدما تألقوا فى أولمبياد باريس 2024 ومعهم بعض ثمار الجيل الشبابى الحاصل على ذهبية العالم فى تشيلي
المغرب وقف فى وجه البرازيل بندية كاملة، وفرض احترامه على أحد أعظم منتخبات التاريخ، ليؤكد أن أسود الأطلس لم يعودوا ضيوفًا على موائد الكبار، بل أصبحوا جزءًا من مجلسهم.

وفى الجهة الأخرى، أرسلت كوت ديفوار رسالة قوية مفادها أن أفريقيا لا تعتمد على منتخب أو اثنين فقط، بل تمتلك كتيبة كاملة من الطامحين إلى المجد، بعدما حققت فوزًا مهمًا كشف عن حجم التطور الذى تعيشه الكرة الأفريقية الى جانب فوز غانا على بنما .

أما مصر؛ فرغم التعادل أمام بلجيكا، فإن الفراعنة قدموا مباراة ناضجة تكتيكيًا، وعكسوا شخصية منتخب يعرف جيدًا كيف يناور فى البطولات الكبرى، وكيف يبقى حظوظه قائمة حتى اللحظات الأخيرة.

لكن ما وراء النتائج أهم من النتائج نفسها..الأهم أن أفريقيا لم تعد تدخل المباريات بعقدة النقص..لم تعد تنظر إلى أوروبا وأمريكا الجنوبية باعتبارهما عالمًا آخر..ولم تعد تعتبر التعادل بطولة والخسارة المشرفة إنجازًا.

لقد تبدلت العقليات، وتغيرت اللغة، وتغيرت النظرة إلى الذات؛ أصبح اللاعب الأفريقى يدخل الملعب مقتنعًا بأنه قادر على الفوز، وأصبح المدرب الأفريقى يخطط للمبادرة لا للبقاء، وأصبحت الجماهير الأفريقية تحلم بالكأس لا بالتمثيل المشرف؛ ولهذا فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد تطور فنى أو تكتيكي.. بل تحول حضارى كامل فى عقل الكرة الأفريقية.. ولعل أكثر ما يثير الانتباه أن العالم نفسه بدأ يشعر بذلك..

لم تعد مواجهة منتخب أفريقى نزهة مضمونة..

بل أصبحت اختبارًا قاسيًا للأعصاب والقدرات والخبرات؛ ولهذا قد يتذكر المؤرخون مستقبلًا أن الجولة الأولى من مونديال 2026 لم تكن مجرد بداية بطولة جديدة؛ بل كانت لحظة الإعلان الرسمى عن اقتراب أفريقيا من العرش.

النبوءة التى أطلقها عيسى حياتو قبل سنوات طويلة لم تعد فكرة شاعرية، أصبحت احتمالًا واقعيًا، بل احتمالًا مخيفًا لمنافسى القارة السمراء..أفريقيا لم تعد تطرق باب المجد العالمي؛ لقد أصبحت تقف أمامه، تنظر إليه، وتضع يدها على المقبض ، وتستعد للدخول..

ربما لا ترفع أفريقيا الكأس هذا الصيف، وربما يتأجل الموعد قليلًا ، لكن المؤكد أن القارة السمراء لم تعد تركض خلف الحلم ، بل أصبح الحلم نفسه يركض نحوها، لقد انتهى زمن المشاركة المشرفة، وانتهى زمن الاكتفاء بالتصفيق للأبطال؛ فاليوم تكتب» الماما أفريكا» فصلًا جديدًا من تاريخ كرة القدم..

فصلًا قد ينتهى بأعظم مشهد عرفته اللعبة منذ نشأتها: منتخب أفريقى يرفع كأس العالم؛ فتكتمل نبوءة حياتو، ويرتدى العرش لون أفريقيا.