التشابه كبير، بين العمليتين، عندما دخلت أمريكا مواجهة عسكرية ضخمة ضد دولتين محوريتين فى المنطقة، إيران والعراق، ومع ذلك اختلفت النتائج، بشكل كبير.
فى مسيرتى الصحفية، والتى امتدت لعقود، كان من حظي، تغطية أحداث كبيرة، شهدتها المنطقة العربية، أزمات وحروب، بعضها كانت أمريكا محورا رئيسيا، وعاملا مهما فيها، ومنها الغزو العراقى للكويت فى أغسطس ١٩٩٠ وتوابعه، والتى استمرت لشهور، وانتهت بعملية عسكرية غير مسبوقة، (عاصفة الصحراء) حيث نجح التحالف الدولى فى تحريرها، وكنت مكلفا بتغطيتها ميدانيا، فى موقع العمليات، فى (حفر الباطن) السعودية، و(الشارقة) فى دولة الإمارات، و(الكويت ) بعد التحرير، وتكرر الأمر، وإن اختلفت الوسيلة حيث فرضت علينا الظروف، المتابعة اليومية لتطورات عملية (الغضب الملحمي) التى بدأها الرئيس الأمريكى رونالد ترامب بالمشاركة مع نتنياهو فى الهجوم على إيران فى يونيو من العام الماضي، والعمليات الأخيرة فى نهاية شهر فبراير الماضي، وهذه محاولة للإجابة عن سؤال مهم، لماذا حقق بوش الأب نجاحا منقطع النظير فى عاصفة الصحراء؟، وأخفق ترامب فى تحقيق أهدافه فى الغضب الملحمي، الأسباب عديدة، نتوقف عند بعضها، منها التخطيط السليم، ووضوح الرؤية، وتحديد الأهداف، وتوفير غطاء من الشرعية الدولية، والنجاح فى العمل ضمن تحالف واسع، يضاف إلى ذلك دور إسرائيل فى العمليات، بين الاستبعاد التام من عملية عاصفة الصحراء، بينما كانت عاملا مهما وأساسيا ومحرضا فى الثانية، الغضب الملحمي، والأمر يحتاج إلى مزيد من التفاصيل.
أهداف واضحة
ودعونا نتفق، أن أحكام التاريخ تقول: إن عاصفة الصحراء كانت العملية التى حصلت على العلامة الكاملة، التى توفر لها كل أسباب النجاح، فمع فشل كل المحاولات التى بذلتها دول عربية عديدة للوساطة، بعد غزو الكويت ودعوة العراق إلى سحب قواتها، كانت واشنطن على الموعد، عندما حددت أهدافها بدقة ووضوح، وعناوينها الرئيسية، تحرير الكويت وإنهاء الغزو العراقي، مع تدمير للقدرات العسكرية العراقية، التى أصبحت بعد ثمانى سنوات من الحرب مع إيران، تشكل خطرا على دول الجوار وإسرائيل، ورغم أن واشنطن بقدرتها العسكرية، كان كفيلة بالقيام بالعملية منفردة، ولكنها سعت إلى تشكيل تحالف ضم ٣٤ دولة، شارك فيه مئات الآلاف من الجنود، نصفهم من أمريكا، ومن دول أوربية وعربية ومنها مصر وسوريا ودول الخليج والمغرب، ولأن القضية عادلة، وتتعلق بغزو دولة لأخرى جارة، ومحاولة تغيير الجغرافيا المستقرة تاريخيا، نجحت سريعًا فى توفير غطاء من الشرعية الدولية، عبر قرار من الأمم المتحدة بإدانة الغزو العراقى للكويت فى السادس من أغسطس، وصدر القرار ٦٧٨ تحت البند السابع الذى نص على استخدام القوة، وتحديد مهلة حتى ١٥ يناير ١٩٩١ للعراق، للانسحاب الطوعي.
استبعاد إسرائيل
كانت الأمور واضحة، والخطط جاهزة، لضمان نجاح المهمة فعلى الصعيد العسكري، كان التنفيذ عبر مراحل، الأولى الحشد، والتى أطلق عليها (درع الصحراء) وبدأت فى أغسطس، واستمرت ٢٠ أسبوعا، تمكنت واشنطن خلالها من استكمال وصول القوات إلى المنطقة، أما العمليات العسكرية فقد أخذت أكثر من مستوي، الأول الضربات الجوية، والتى بدأت يوم ١٧ يناير ١٩٩١ ونجحت فى تدمير قدرات الدفاع الجوى العراقي، وأعقبها القتال البرى والذى انتهى فى ٢٨ فبراير، أما المرحلة الأخيرة، فقد اقتصرت المشاركة فيها على القوات الأمريكية فقط، واستهدفت بقايا الجيش العراقي، ومحاولة إسقاط النظام، إلا أن الرفض العربي، وفى القلب منه مصر، منع واشنطن من الاستمرار، لغياب مظلة دولية، خاصة أن القرارات السابقة لا تنص على ذلك، وهو ما قاله بوش، ردا على انتقادات وجهت له، وأبدى يومها مخاوفه من تصدع التحالف.. ولعل النجاح الأكبر فى الجهود التى ساهمت فى نجاح العملية، هو إبعاد الإسرائيليين عن الصراع، ومنعهم من المشاركة ضمن التحالف، فى ظل قناعة بأن الدول العربية سترفض الانضمام، وستبدو كما لو كان الأمر صراعا بين الغرب والعالم العربي، وحتى عندما سعى صدام إلى استفزازها واستهدافها بصواريخ سكود، لم ترد، وهذا يتنافى مع رؤيتها الدفاعية، بالمبادرة بالهجوم.
السير عكس الاتجاه
واختلف الوضع بشكل جذري، وظهرت الإدارة الأمريكية الحالية، كما لو كانت (تعيد صناعة العجلة)، فلم تجد ملمحا من تجربة بداية التسعينيات الناجحة، إلا وخالفته، فقرار الدخول فى مواجهة عسكرية مع إيران، اتسم بغياب الرؤية من الحرب، والتى كانت أقل تحديدا وأكثر اضطرابا، تحدث ترامب عن حماية الشعب الأمريكى من تهديدات وشيكة، دون أن يحدد طبيعتها، وقد اعترفت وزارة الدفاع فى إحاطة لأعضاء الكونجرس فى الثانى من مارس الماضي، بعدم وجود معلومات استخبارية تشير إلى ذلك، توقفت الإدارة كثيرا عند فكرة تغيير النظام، دون تحديد آليات التنفيذ، وتحدث عن تدمير قدرات إيران النووية، ومعها القدرات الصاروخية الباليستية والبحرية، والحصول على اليورانيوم المخصب، وكافة التقارير والشواهد تؤكد أن إيران رغم كل خسائرها، صمدت بل وحققت نتائج مهمة من خلال بنود مذكرة التفاهم التى أنهت الحرب.
حرب نتنياهو
وحقيقة الأمر، أن الغضب الملحمى هى حرب إسرائيل بامتياز، تم إقناع ترامب بالمشاركة فيها، وهو ما تكشف من معلومات حول كيفية اتخاذ القرار، ودور نتنياهو فيه، فى الاجتماعات بين الجانبين، وحدث تواصل بين الرجلين ١٥ مرة، سواء بزيارات إلى البيت الأبيض أو المكالمات، والذى كان ينظر إليه كشريك وثيق، وكان منفتحا تماما لسماع نصائحه، حيث ادعى المسئولون الإسرائيليون الأمنيون المشاركون فيها، أن العملية ستكون قصيرة، ولن تؤدى لإغلاق مضيق هرمز، ولن تقوم إيران بالهجوم على دول الجوار، على عكس التقييم الذى قدمة مسئولو الاستخبارات الأمريكية، الذين أكدوا أن استهداف على خامنئى وكبار المسئولين قد يكون ممكنا، ولكنه لن يؤدى إلى تغيير النظام، وقد وصف رئيس الاستخبارات المركزية التقديرات الإسرائيلية، بأنها مضحكة، واعتبرها وزير الخارجية ماركو روبيو، (هراء).
وقد سادت حالة من التخبط والفوضى، فى البيت الأبيض، خاصة فى ظل تغييب وتهميش دور المؤسسات، فالرئيس -وفقا لأحد الكتب الأخيرة عن إدارته للدولة- صاحب فلسفة متكاملة، تتضمن عدم تفضيله للعمل ضمن إطار مؤسسي، ولا يثق فى مراكز النفوذ المستقلة، ولا يشعر بالارتياح للعمل مع شخص لا يستمد قيمته ودوره منه شخصيًا، ولهذا فمرءوسيه يتصارعون باستمرار على القرب منه، ويخرج كل منهم مقتنعا بأنه الشخص الأكثر تأثيرا عليه، بينما يبقى ترامب وحده الحكم النهائي، وقد يفسر ذلك العلاقة القوية التى تربطه بوزير الحرب الأمريكى بيت هيجسيت، التى سمحت للأخير، باتخاذ قرارات غير مسبوقة، بفصل ١٢ ضابطا رفيعا، برتبة لواء، ومنهم رئيس أركان حرب الجيش راندى جورج، مما أثار قلقا بين قيادات الجيش، وهو أمر مسبوق أثناء خوض حرب كبري، تدخلها أمريكا لأول مرة، ضد إيران، وهى قوة لا يستهان به، فالقاعدة المعروفة تقول (عليك ألا تغير الأحصنة أثناء السباق).
خذلان الحلفاء
وعلى عكس عاصفة الصحراء، خاضت أمريكا الغضب الملحمى بدون أى تحالف سواء على مستوى دول المنطقة العربية أو العالم، خاصة دول الناتو التى تحفظت على المشاركة، فى ظل الشعور بأنه لم يتم التشاور معها، وشكوك ضخمة فى مخططات الحرب، وعدم توافر الحد الأدنى من النجاح، وخوفا من الانجرار إلى صراع غير مفهوم أو مبرر، وعبَّر وزير الدفاع الألمانى عن تيار واسع لدى دوائر اتخاذ القرار فى الدول الأوربية.
عندما قال: (هذه ليست حربنا) ، وتحملت دول أوربا هجوم ترامب، الذى وصف دول الحلف بالجبناء، وبأنه (نمر من ورق)، كما افتقدت عمليات الغضب الملحمى لأى شرعية دولية، فقد عجزت واشنطن فى الحصول على دعم من الأمم المتحدة، لعملية الهجوم على إيران، وكل القرارات التى تم اتخاذها، تتعلق بحرية الملاحة وتتجنب استخدام القوة، وتتحدث عن انتهاكات لوقف إطلاق النار، وتهديداتها بإغلاق مضيق أو عرقلته.
وبعد، فإن المتغيرات الاستراتيجية الكبري، تكشف أن نجاح واشنطن فى مهمة تحرير الكويت، وكان وراء تكريس الوجود الأمريكى فى الخليج، عبر وجوده على الأرض، فى شكل قواعد عسكرية وتسهيلات، واتفاقيات تعاون مشتركة، بينما عملية الغضب الملحمى بكل إخفاقاتها، وراء إعادة النظر فى كل ذلك، بعد أن تحول هذا الوجود إلى عبء حقيقي، كما أنها لم تقم بالمهمة التى جاءت من أجلها، وهى توفير الحماية لدول المنطقة.

أبطال من ورق!
«الأخبار».. الدار والمشوار
كاهن معبد الرواية





