إنها مصر

إذن.. لماذا كانت الحرب ؟

كرم جبر
كرم جبر


إذا صحت التسريبات المتداولة، حول مذكرة التفاهم المزمع توقيعها، بين واشنطن وطهران فى جنيف غداً، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو سؤال بسيط: إذن لماذا كانت الحرب أصلاً؟ ،معظم الأسباب التى أُعلنت سبباً للمواجهة، تغيب عن بنود المذكرة، لا الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، ولا النفوذ الإقليمى والأذرع المسلحة، ولا حتى عن تغيير النظام الذى ظل جزءاً من الخطاب السياسى للرئيس ترامب.

وتتركز البنود المسربة فى وقف إطلاق النار، وتأمين الملاحة، وتهدئة الجبهات، و»تجميد» الوضع النووى، خلال فترة تفاوضية ستين يوماً، إلى جانب إجراءات اقتصادية تشمل تخفيف العقوبات على إيران، والإفراج عن الأموال المجمدة، وفتح المجال أمام عودة النشاط النفطى الإيرانى.

هذه المفارقة تدفع إلى الاعتقاد بأن الحرب لم تحقق أهدافها المعلنة، لكن القراءة الأكثر هدوءاً، تقود إلى استنتاج مختلف، فالحروب لا تحقق دائماً كل ما يُرفع من شعارات، وتكون الأهداف الفعلية أكثر محدودية وارتباطاً بحسابات القوة والردع، ومقارنة النصوص بالتصريحات التى سبقتها، وكثيراً ما تُظهر فجوة كبيرة، بين ما قيل وما تم التوصل إليه.

من الممكن أيضاً أن تكون الحرب نفسها قد غيرت الحسابات السياسية والعسكرية، فالأطراف المتصارعة لا تدخل المفاوضات، وهى فى الموقع الذى كانت عليه قبلها، الخسائر العسكرية، والضغوط الاقتصادية، والقلق من اتساع رقعة الصراع، وتأثير الحرب على التجارة والطاقة والأسواق العالمية، كلها عوامل تدفع إلى إعادة الحسابات، وعندما تقتنع الأطراف بأن كلفة الاستمرار أعلى من المكاسب، يصبح الاتفاق الذى كان مرفوضاً خياراً مقبولاً.

وغياب بعض الملفات عن مذكرة التفاهم، لا يعنى بالضرورة إسقاطها نهائياً من جدول الأعمال، فالاتفاقات المرحلية بطبيعتها تركز على القضايا الأكثر إلحاحاً، والتى يمكن التوصل بشأنها إلى تفاهم سريع، بينما يتم ترحيل الملفات الأكثر تعقيداً إلى جولات تفاوض لاحقة، وقضايا مثل الصواريخ والنفوذ الإقليمى، وترتيبات الأمن، تحتاج مفاوضات طويلة ومعقدة، تتجاوز إطار مذكرة أولية أو اتفاق مؤقت.

ولهذا فإن الحكم على نتائج الحرب من خلال بنود مذكرة التفاهم وحدها، قد يكون متسرعاً، فما يظهر اليوم ليس بالضرورة هو الصورة النهائية، وربما يكون مجرد إطار أولى لتثبيت التهدئة، ومنع العودة إلى المواجهة المباشرة، أما التقييم الحقيقى فلن يتضح إلا عندما تظهر التفاصيل الكاملة للاتفاقات النهائية، وعندما يصبح ممكناً ما الذى تغير فعلاً على الأرض، وما الذى كسبه أو خسره كل طرف.

ويبقى السؤال مطروحاً، لكنه قد يحتاج إلى صياغة مختلفة، ليس: لماذا كانت الحرب، بل: ماذا غيّرت الحرب فى موازين القوى حتى أصبح التفاهم ممكناً؟.. التاريخ يعلمنا أن كثيراً من الحروب لا تنتهى بتحقيق الأهداف المعلنة كاملة، وإنما عندما يصل الجميع إلى قناعة بأن التسوية، مهما كانت ناقصة، أقل كلفة من استمرار الصراع.