كاد الاشتباك بين المعجبين بى والمنتقدين لى يتحوّل إلى مشاجرة بالأيدي، وقتها صرختُ مهددا بإعلان اعتزالي، والغريب أن الجميع صفقوا احتفاءً بقراري، وبالفعل قاطعتُ بعدها كرة القدم لعبًا وتشجيعًا.
اغتيال شرلوك هولمز
السبت:
من الطبيعى أن يتفاعل القارىء مع شخصية اجتذبته فى رواية، لكن هل يُمكن أن يرتبط المؤلف بمشاعر مع أحد شخصياته.. مثل الحب أو الكره أو الغيرة؟ السؤال ليس عبثيا، فهناك نموذج واقعى قد يعرفه بعض عشّاق القراءة. إنه شرلوك هولمز، المحقق الإنجليزى الشهير، الذى حظى بإعجاب الملايين على مستوى العالم، حتى أن السير آرثر كونان دويل مبتكر شخصيته شعر بالغيرة منه، بعد أن ساهم هذا البطل المصنوع على الورق فى تهميش بقية الأعمال الأدبية لمؤلِفه. تزايد اشتعال نار الغيرة حتى أن الكاتب قرّر اغتيال بطله للتخلص من لعنته! وبالفعل أغرقه بأحد الشلالات فى رواية حملت عنوان «المشكلة الأخيرة»، والتقط السير آرثر أنفاسه أخيرا، لكن راحته المؤقتة ذهبت مع الريح، بعد أن تطورت الأحداث بشكل لم يتوقعه.
فجّر موت شرلوك هولمز براكين الغضب فى قلوب القرّاء، وقاطعوا المجلة التى كانت تنشر قصص آرثر كونان دويل، لتواجه أزمة مالية حادة، وأجبرت الاحتجاجات الكاتب الشهير على تجاوز خلافه مع بطله اللدود، واضطر لإعادته إلى الحياة.. لينتصر الخيال على الواقع.
حكاية وقعت فى نهايات القرن التاسع عشر، وتُعبّر عن علاقة ملتبسة بين الروائى وشخصياته. لا أعرف هل دفعت النقاد وقت حدوثها إلى تحليل هذا الموضوع أم لا، لكن هذا الهاجس على ما يبدو ظل يداعب ولو عددا قليلا من الكُتاب، فبعدها بسنوات عاد الخيال ليجدد الفكرة، عبر مسرحية للمؤلف الإيطالى لويجى بيرانديلو، حملت عنوان «ست شخصيات تبحث عن مؤلف»، وعلى صفحاتها اقتحم أشخاص خياليون «بروفة» مسرحية، وطالبوا المخرج باستكمال قصصهم بعد أن تخلى عنهم مؤلفهم الأصلي!
فكّرتُ بكل ذلك عندما باغتنى منشور اليوم، كان طازجا وُلِد على «فيس بوك» قبل لحظات. كتبته الروائية علياء هيكل، من وحى روايتها الأخيرة «ورثة التيه»، وكشفتْ فيه سر ارتباطها على نحو لم تتوقعه.. بشخصية بالغة الغرابة!
حكاية علياء مع القرداتي!
قبل أسابيع شاركتُ فى مناقشة الرواية مع الدكتورة نهال القويسني، واجتذبنى العمل بمساراته العابرة للزمان والمكان، حيث تابعتْ علياء هيكل رحلة ممتدة لقبيلة غجرية، بدأتْ من الهند وتشعّبت إلى إيران ومصر ودول أوروبا فى أزمنة متعاقبة. اعتمدت المؤلفة على طاقة سرد متفجرة، وجهد بحثى هائل اختزلتْه فى عبارات مكثفة، وساهم هذا الجهد فى إنعاش جغرافيا الأحداث وعمقها التاريخي، دون استعراض لمعلوماتها. القارىء المدقق فقط يمكن أن يدرك أن اختيار كل مكان فى الرواية، ناتج عن بحث دؤوب، سعيا لاختيار مواقع تُثرى سياق السرد، والأمر نفسه ينطبق على الأحداث التاريخية الكثيرة التى تنتمى لعصور عديدة.
الهدف فى هذه السطور ليس الكتابة عن العمل المتميز والممتع من وجهة نظري، فكل ما سبق مجرد مدخل يتمدد بفضل ثرثرتى المعتادة. مدخل لذلك المنشور الذى كشف أحد أسرار العملية الإبداعية، عندما تقتحم شخصية غير مخطط لها سياق الأحداث، وتفرض على الكاتب أن يخصص لها مساحة فى مسارات السرد، وفجأة تختفى الشخصية ليشعر المؤلف بالفقد! هذا ما فعله تماما شوقى القرداتى مع علياء هيكل، التى كتبت فى منشورها: «تلك الشخصية التى نبتت من تلقاء نفسها فى روايتي، ظهرتْ أمامى فجأة بين الشخوص الأساسية، آتية بظلٍ ثقيل ووجه بلا ملامح واضحة فى البداية، ثم ما لبثت أن تبدّت شيئا فشيئا، مُقحمة ذاتها اللطيفة فى الأحداث، فارضة علىّ باستحقاق خفى أن أكتبها».
أوقع القرداتى الكاتبة فى حبائله، وبعد أن حظى باهتمامها فاجأها بالهجر مثلما ظهر بدون مقدمات.. كتبتْ: «جاء من لا شيء وعاد إلى لا شيء.. غاب شوقى القرداتى فى الغيوم البعيدة، وقد تركنى متعلقة به أكثر من أى من أبطال الحكاية (....) إنه ذلك الغجرى الخيالى الذى أبكانى وأنا أودعه على الورق، ذاك الذى مر بالحكاية عابرا، ثم ترك فى روحى فراغا لم يتركه أحد من أبطالها».
الرجال متقلبون حتى فى الروايات. قد تبدو الشخصيات الروائية مجرد أبطال على ورق، لكن من قال أن «أبطال الورق» غير قادرين على تفجير مشاعر، أكثر عمقا أحيانا من بشر نقابلهم فى الواقع، غير أنهم يظلون عابرين فى كلام عابر؟ أعتقد أن اعترافات علياء هيكل ستجعلنى أسأل أصدقائى المبدعين، عن بنات أفكارهم وأبنائها، الذين انجذبوا لهم وتعلقوا بهم لدرجة الشعور بالفقد بعد انتهاء العمل.
إنها أسطورة «بجماليون» تتكرر دون أن نشعر.. وهكذا هى الكتابة وغوايتها!
اعتزال إجبارى!
الإثنين:
علاقتى بكرة القدم لم تعد على ما يرام منذ طفولتي. فشلتْ كل مساعى الصلح بيننا، وربما يرجع السبب لعُقدة قديمة. فى المرحلة الابتدائية شاركتُ كلاعب بمباراة وحيدة، فوجئت بعدها بنفسى محمولا على الأعناق بسبب أدائى المبهر، حتى أن أعداء النجاح شعروا بالغيرة، وواجهتُ موجة من الهجوم غير المبرر، فيما يشبه النبوءة المبكرة بتنامى ظاهرة التعصب وانقراض الروح الرياضية. كاد الاشتباك بين المعجبين بى والمنتقدين لى يتحوّل إلى مشاجرة بالأيدي، وقتها صرختُ مهددا بإعلان اعتزالي، والغريب أن الجميع صفقوا احتفاءً بقراري، وبالفعل قاطعتُ بعدها كرة القدم لعبًا وتشجيعًا.
نسيتُ أن أذكر تفصيلة هامشية فى القصة السابقة، ومع أننى لا أعتقد أنها مؤثرة أصلا، غير أننى سأذكرها: المحتفون بى كانوا من أفراد الفريق المنافس، أحسوا بالامتنان لمساهمتى الفعالة فى فوزهم!
لم أعد أهتم إذن بمتابعة المباريات، والاستثناء الوحيد لمباريات المنتخب المهمة، وعندما أتابعها أمارس التشجيع بـ«حرفنة» كُروى عتيد، أهتف وأصرخ وأنتقد التشكيل أحيانا، وأهاجم الحكم ويعلو ضغطي، لكنه يظل فى الحدود الآمنة، مقارنة بما ينتابنى عندما أطالع منشورات التعصب الأقرب إلى الفتنة. بصفتى مدمن قراءة أحرص على مطالعة المنشورات وتعليقاتها، لأنها تكشف لى ما يحدث فى مجتمعنا من تحولات، ومن بينها وصولنا إلى مرحلة التطرف الرياضي، الذى امتد تأثيره إلى أسلوب نقاشاتنا فى كل المجالات، حتى انطلقت أحكام الكثيرين على أمور كثيرة من الانتماءات الكروية.
عموما شعرتُ بالمتعة وأنا أتابع اليوم مباراتنا فى كأس العالم ضد بلجيكا، وأسعدنى منتخبنا بأدائه المبهر، وقبلها أدهشنى فريق المغرب الذى أشجعه مع كل المنتخبات العربية، لهذا لن تجرفنى أمواج التحليل المثير للملل، وسأنسى مؤقتا حماقات بعض المشجعين ممن يكرسون للاستقطاب، وأتجاهل بضاعتهم التى أتلفها الهوى.
كلام «أغانى»!
الثلاثاء:
سائق التاكسى كبير السن، لم يكتف بالاستمتاع بصوت وردة بل دندن معها، بعد لحظات بدأت حنجرته تتحرش بعذوبة أدائها، ارتفع صوته منافسا لها: «كل غنوة ع الفرح كانت.. ع الجرح كانت.. ع الصبر كانت.. ع الحب كانت.. كتبتها.. وقلتها.. كانت عشانك».
حاولتُ تجاهل حشرجته، والتركيز مع اللحن الأصلى الذى لم يفشل أبدا فى ضبط إيقاع حالتى النفسية، غير أن السائق استغرق فى حالة من التماهى وتمادى أكثر. ربما تعيده الأغنية إلى ذكريات رومانسية من الماضى البعيد، لأن أجهزته العاطفية صارت مرفوعة من الخدمة بحكم السن. أنقذنى رنين هاتفه من أدائه العبثي، رد متأففا ثم صرخ فى محدثه.. غالبا كان ابنه: «ورحمة أمى ما هتتجوزها.. بنت الـ... هتبيّعك اللى وراك واللى قدامك بالقايمة اللى أهلها عاوزين يكتبوها»، أطلق عدة ألفاظ يعاقب عليها القانون خلال اللحظات التالية، ثم أنهى المكالمة دون سلام. أدرت وجهى باتجاه الطريق، لأتفادى فقرة التعليق على الأحداث، التى ستقودنا غالبا إلى حلقة نقاشية حول قانون الأحوال الشخصية الجديد. بالفعل همهم ببضع كلمات: « ابن الـ... هيقول لى حب..
هو هيعيش فى جو الأغانى والكلام الفارغ ده؟». أدرك السائق أن خطّ تواصلى معه ربما يكون مغلقا أو غير متاح مؤقتا، فرفع صوت المذياع وعاد لمنافسة وردة فى كلام الأغاني، غرّد بصوت أقرب إلى الصراخ: « كل دمعة ع الخد سالت.. ع الرمش نامت فعيون ما نامت للدنيا قالت.. وجرح الهوى مالوش دوا إلا فحنانك»!!

«الأخبار».. الدار والمشوار
كاهن معبد الرواية
كاريكاتير:سرقة أحذية لاعبى منتخب إنجلترا ومعداتهم فى معسكر كأس العالم





