سامي جعفر يكتب: ما بعد تفاهم أمريكا وإيران

سامي جعفر
سامي جعفر


مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران، والتي لم يتم الكشف عن مضمونها بعد، نموذج  لخروج طرفين متحاربين رابحين على المدى القصير، لأن الاتفاق يظل مجرد هدنة استراتيجية قد تؤسس لاتفاق طويل الأمد، وإعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية في الشرق الأوسط، أو فترة هدوء قبل استئناف القتال.

النظام الإيراني هو الرابح الأكبر حتى الآن من مذكرة التفاهم، لأنه استطاع كسب مزيد من الوقت لإعادة ترميم قدراته العسكرية، وإنعاش اقتصاده عبر بيع النفط بعد رفع الحصار البحري عن موانئه.
وتمنح مذكرة التفاهم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مكسبا مهما بالخروج مؤقتا من المستنقع الإيراني، وإعادة ترتيب أوراقه للوصول إلى الحد الأدنى من الأهداف، وهي على الأقل: تجميد البرنامج النووي الإيراني، وغلق ملف الوكلاء في اليمن والعراق ولبنان، والهدف الثاني لن يتحقق بسهولة ويكاد يكون مستحيلا، لأن التوصل إليه يعني تغييرا في طبيعة النظام الإيراني.

أما دول المنطقة، وخصوصا دول مجلس التعاون الخليجي، فتحصل على فترة من الهدوء، لكنها تحتاج إلى ممارسة أقصى ضغوطها لإدراج برنامج الصواريخ وملف الوكلاء على طاولة المفاوضات، والمشاركة في وضع الترتيبات الأمنية في المنطقة، لحماية مستقبل الحكم فيها، بالإضافة إلى خططها التنموية.

لا تعني مذكرة التفاهم استقرارا في المنطقة على المديين القريب والمتوسط، لأن إعادة ترتيب الأوضاع الأمنية ستفجر صراعات على نطاق ضيق في لبنان على وجه التحديد وربما سوريا، أما العراق فالأمور فيه تتجه إلى مزيد من الهدوء.

وتتصارع ثلاث إرادات حاليا وهي: أمريكا، وإيران، وإسرائيل بالطبع. فالأولى قد توسع من نفوذها في العراق وتربح اقتصاديا حال نجاحها في إبرام صفقات اقتصادية مع إيران. أما طهران فقد تفقد نفوذها نسبيا في العراق ولبنان مقابل بقاء النظام وانتعاش الاقتصاد الإيراني. وأما إسرائيل فلن تمرر أي اتفاق بدون الاعتراف بمكاسب لها في لبنان وسوريا وغزة على الأقل.

أما دول الخليج فربما تعيش أجواء اتفاق 5+1 الذي أبرمته إيران عام 2015، والذي منح الأخيرة فترة من الاستقرار مكنتها من مد نفوذها إلى خمس عواصم عربية، وتهديد دول الخليج، ومحاولة العبث باستقرار دول عربية أخرى، وتعزيز شبكاتها على مستوى العالم.

وتفرض الظروف الجديدة على دول المنطقة تشكيل نظام أمني أكثر موثوقية يعتمد بالأساس على القدرات الذاتية لهذه الأطراف، إذ تملك دول الخليج طاقة فائضة وأموالا وعلاقات قوية بدول العالم، بالإضافة إلى القدرات العميقة للقاهرة وإسلام آباد وأنقرة، مما يجعلها ودول الخليج قادرة على تشكيل تحالف دولي قوي، قادر على حماية دول الخليج والممرات الدولية من مغامرات إيران وإسرائيل خلال الفترة المقبلة.

أما الصين فاستطاعت بأسلوبها الهادئ الوصول إلى أحد أهدافها بفتح مضيق هرمز وعودة تدفق النفط إليها، وأثبتت قدرتها على إيلام أميركا عبر تقديم معلومات استراتيجية ومعدات مزدوجة الاستخدام ما ساعد النظام الإيراني على الصمود.

أما روسيا فكانت مقيدة بسبب انشغالها بالمستنقع الأوكراني فلم تكن تستطيع سوى تقديم الحد الأدنى من الدعم سواء بمعدات عسكرية أو معلومات استخبارتية.

وتبدو أوروبا على هامش هذا الصراع، إذ إنها فقيرة القدرات ومحدودة التأثير، حيث فشلت على مدى ثلاث جولات مهمة في تشكيل النظام العالمي الجديد، وهي: حرب أوكرانيا، وحرب غزة، وحرب إيران، وتبدو عاجزة عن صنع سلام، أو الانتصار في حرب، أو إطلاق مبادرات لتعزيز الاستقرار عالميا.