إنها مصر

٣٠ يونيو.. الإقصاء أطاح بالإخوان !

كرم جبر
كرم جبر


هناك لحظات فى تاريخ الشعوب تُقاس بحجم الخطر، الذى يهدد الدولة واستمرارها، ومن هنا تبقى الثلاثون من يونيو من أكثر المحطات تأثيرًا فى التاريخ المصرى الحديث، لأنها جاءت فى وقت شعر فيه المصريون، بأن الدولة تواجه خطرًا مصيريًا، يمس هويتها ومستقبلها واستقرارها.
وتجسد الخطر فى محاولات جماعة الإخوان اختطاف الدولة، والعمل على طمس هويتها وتغيير مسارها، واستبدالها بكيان مغاير، يتخذ من الشعارات الدينية غطاء لمآرب سياسية، مُشيعاً بذور الفتنة والخوف، ونافخاً فى نار الفرقة، وتقويض ركائز السلم الاجتماعى.
وتراجعت لغة التوافق الوطنى أمام منطق الإقصاء، وتصاعد القلق الشعبى، مما جعل البحث عن مخرج وطنى ضرورة حتمية، وتجسد ذلك فى خروج الملايين إلى الشوارع، تعبيراً عن رفضهم السطو على السلطة، وتهديد هوية الدولة المصرية وتوازنها التاريخى.
وكانت الثقة المتبادلة بين المصريين والدولة ومؤسساتها، الركيزة الأساسية للثورة، وبرزت القوات المسلحة كصمام أمان وطنى، حال دون انهيار الدولة وانزلاقها نحو براثن الفوضى، ولم يأت التلاحم الشعبى مع الجيش من فراغ، بل نتاج عقود من الثقة الراسخة، ولم يكن المشهد شعوراً عاطفياً، بل إدراك استراتيجى واعٍ، بأن المؤسسة العسكرية هى حصن الوطن المنيع الذى يحميه من التصدع والانهيار.
وأثبتت الأحداث أن التحدى الأكبر الذى يهدد كيان الدول، يتجاوز حدود العنف المباشر أو الإرهاب، ويكمن فى مساعى احتكار الحقيقة الوطنية، ومحاولات اختزال الوطن فى إطار أيديولوجى ضيق.. مقومات الدولة الحديثة ترتكز على التعددية الشراكة واحتضان التنوع، فى حين أن سياسات الإقصاء، والوصاية الفكرية، وتخوين الآخر، لا تؤدى إلا إلى تمزيق النسيج الاجتماعى، وتقويض أركان الاستقرار الوطنى.
ومن هنا تبرز دلالة تلك اللحظة الفارقة، التى أكدت أن مصر أعظم من أن تختزلها جماعة، وأن هويتها الوطنية تظل دائماً عصية على الانكسار، وقادرة بصلابتها التاريخية، على تجاوز كافة الأزمات مهما تعاظمت حدتها.
وبعد سنوات من تلك الأحداث، لا يزال الحوار قائماً حول تفاصيلها، وما لا يمكن إنكاره، أن المصريين واجهوا لحظة فارقة شعروا خلالها بأن مستقبل بلادهم على المحك، وفى مثل هذه اللحظات لا تصدر القرارات الكبرى داخل الغرف المغلقة فقط، وإنما تصنعها أيضاً إرادة الشعوب، عندما تتمسك بدولتها وترفض التفريط فيها.
ستظل الثلاثون من يونيو علامة مضيئة فى سجل الوطن، وحدث تجلت فيه إرادة المصريين فى أبهى صورها، حين انتفض الشعب دفاعاً عن هويته ودولته ومستقبله، وفى لحظة فارقة من تاريخ الأمة، تلاحمت الإرادة الشعبية مع مؤسسات الدولة الوطنية، لتؤكد أن مصر تمتلك من الوعى والقوة، ما يمكنها من مواجهة التحديات، وتجاوز الأزمات مهما بلغت حدتها.
أصبحت الثلاثون من يونيو رمزاً لاستعادة الدولة وترسيخ الاستقرار، ودليلاً راسخاً على أن وحدة الشعب، وتماسك مؤسسات الدولة، يمثلان الحصن المنيع والضمانة الحقيقية لحماية الوطن، وصون مقدراته.