خير راغب يكتب: تجربة المغرب المونديالية

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


لم يكن مستوى فريق المغرب لكرة القدم في كأس العالم مفاجأة، بل جاء ثمرة سنوات من التخطيط الممنهج، والعلم، والعمل الدؤوب على كافة المستويات؛ وهو ما أهل المملكة لتكون ضمن «العشرة الكبار» عالمياً، بل ونالت شرف استضافة كأس العالم 2030.

​إن استراتيجية «نهضة المغرب» التي وُضعت قبل ٢٠ عاماً لم تقتصر على الجانب الرياضي فحسب، بل كانت رؤية شاملة للدولة بأكملها، استهدفت البنية التحتية والاقتصادية؛ لتصبح المملكة رقماً اقتصادياً وازناً بين دول العالم.

​في عام ٢٠٠٧، كنت في زيارة لميناء طنجة بالمملكة المغربية، وشاهدت المخطط العام لمشروع «طنجة المتوسط»، وحلم المغرب في أن يتحول هذا الميناء المتوسطي الأطلسي إلى رقم صعب في الصناعات البحرية وتداول الحاويات، وبوابة رئيسية للصادرات الصناعية. 

وفي عام ٢٠٢٥، وبعد ١٨ سنة، أصبح الميناء الأول  في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، محققاً ١٠.٢ مليون حاوية، وصافي إيرادات بلغ نحو ٢ مليار دولار، فضلاً عن توفير ١٤٥ ألف فرصة عمل في الأعمال والأنشطة المرتبطة بالنقل البحري وتطوير الموانئ.

​لقد استطاع المغرب بعد ١٨ عاماً أن يحقق أرقاماً إعجازية جعلته يتربع على عرش القارة الإفريقية على كافة المستويات؛ حيث بلغ حجم صادرات  القطاع الصناعي والتجاري في المغرب ٩٠ مليار دولار ليسهم بنحو ٢٤٪ من الاقتصاد المغربي، وتأتي من بعده صادرات الصناعة المغربية بقيمة ٤٠ مليار دولار موجهة إلى نحو ١٨٠ دولة. 

كما تمتلك المملكة بنية صناعية قوية تضم ١٥٠ منطقة صناعية و١٢ ألف منشأة صناعية يعمل فيها مليون مغربي، بالإضافة إلى وجود ١٦٠ مصنعاً متخصصاً في تصنيع أجزاء الطائرات تتعامل مع ١٥٠ شركة دولية كبرى مثل «بوينج»، بل إن كل قطعة من طائرات «إيرباص» تحتوي على جزء صُنع في المغرب، هذا ناهيك عن صناعات النسيج، والطاقة الفضائية والمتجددة وغيرها. وفي القطاع السياحي، حققت المملكة ١٥ مليار دولار، لتأتي في الترتيب الـ٣١ عالمياً من حيث العائدات، والمرتبة الـ٢٢ عالمياً من حيث السياحة الوافدة التي بلغت ١٩.٦ مليون سائح.

​هذه النقلة النوعية لم تحدث بين عشية وضحاها؛ فالمغرب يتبنى منذ ٢٠ عاماً استراتيجية واضحة للوصول إلى هذه المكانة، تعاقبت الحكومات وظلت الاستراتيجية والرؤية والحلم ثابتاً وواضحاً، وكان على الحكومات المتتالية التنفيذ فقط، وهي الرؤية التي تركزت على تطوير البنية التحتية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتقديم الحوافز والتسهيلات للمستثمرين.

​قد يبدو للمشاهد من الوهلة الأولى أنني أعقد مقارنة بين مصر والمغرب، ولكن ما مرت به مصر منذ الأحداث التي اجتاحت المنطقة في ٢٠١١ ومنها مصر، وثورة الشعب المصري العظيمة في يونيو ٢٠١٣ ضد حكم جماعة الإخوان الإرهابية، وتوابع دخول البلاد في حرب طويلة ضد الإرهاب الدولي عقاباً للشعب المصري الذي قرر مصيره بنفسه، هذا فضلاً عن التحديات الإقليمية المعقدة، كان من أهم الأسباب والعقبات أمام تحقيق التنمية الشاملة التي يحلم بها كل مواطن.

​إن الهدف من الاحتفاء بهذا الإنجاز في دولة عربية شقيقة هو اتخاذه كنموذج للأمل الذي تسعى مصر للوصول إليه، وتجسيداً لرؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي وضع استراتيجية طموحة منذ توليه سدة الحكم في يونيو ٢٠١٤ لتكون مصر في مصاف الدول الكبرى، وهذا حلم ليس ببعيد ولا بمستحيل على دولة كبيرة ومحورية مثل مصر.

​هذا الحلم يتطلب الاستمرارية في العمل، ويقظة تامة من الدولة في المتابعة، والتخلص الفوري من معوقات الاستثمار، سواء عبر تعديل القوانين المشجعة للمستثمرين، أو القضاء على الصورة الذهنية السلبية التي قد تسيء لمناخ العمل، فضلاً عن الاستعانة بالكفاءات الحقيقية، ووضع جدول زمني صارم لمتابعة أداء الوزارات في تحقيق التكليفات المطالبة بها؛ بحيث لا يُترك أي مسؤول -أياً كان منصبه الحكومي- دون محاسبة إذا قصر في تحقيق رؤية الدولة ونهضتها المنشودة.

مدير تحرير المصري اليوم