خلال زيارتى للصين لحضور دورة تدريبية على الإدارة الرقمية للصحافة والتليفزيون بمعهد CIBC ببكين لم يكن السؤال فى قاعات التدريب هو هل ستختفى الصحف المقروءة ، فقط تخطى الصينيون هذا السؤال وصار سؤال الوقت الراهن هو: كيف سيبدو الإعلام بعد خمس أو عشر سنوات؟ عندما قرروا ان يتحولوا إلى الإعلام الجديد وأن تكون المؤسسة وحدة واحدة يديرها الـ ai وما لفت انتباهى هو أن الخبراء الصينيين لا يتحدثون عن صراع بين الإعلام التقليدى والإعلام الجديد، بل لا يتذكرون هذا الصراع ويعتبرون أن الجميع أصبحوا فى سياق واحد. الصحيفة لم تعد صحيفة فقط، والقناة التليفزيونية لم تعد شاشة تبث برامجها فى أوقات محددة، بل أصبحت منصات محتوى تعرض بضاعتها للجمهور أينما كان.
فى إحدى المحاضرات قيل لنا إن أهم ما تملكه المؤسسات الإعلامية اليوم ليس المبانى أو الاستوديوهات أو المطابع، وإنما المحتوى. فالمحتوى الجيد ما زال هو أساس التأثير، لكنه يحتاج إلى أشكال جديدة فى العرض للوصول إلى الناس.. الشباب اليوم لا ينتظرون نشرة الأخبار، ولا يجلسون لساعات أمام شاشة التلفزيون. الهاتف المحمول أصبح الشاشة الأولى، والفيديو القصير أصبح اللغة التى يفهمها الملايين. ولذلك بدأت المؤسسات الإعلامية الكبرى فى الصين تعيد بناء نفسها لتناسب هذه المتغيرات.
خاصة أنهم طوروا برامج الذكاء الاصطناعى لتنتج كما هائلا من الفيديوهات والبرامج بكل أشكالها وكما هائلا من المحتوى بلا أى مجهود بشرى سوى إصدار الأوامر بشكل صحيح
ولذلك لم يعد الأمر يتعلق فقط بإنتاج الخبر، بل بطريقة تقديمه. كيف تجذب انتباه المتلقى؟ كيف تشرح المعلومة بسرعة؟ وكيف تحافظ على المصداقية وسط سيل هائل من المحتوى الذى ينتجه الذكاء الاصطناعى؟ خرجت من هذه المحاضرات بقناعة مهمة؛ أن الصحف لن تختفى كما يتوقع البعض، لكنها ستتطور وتظهر بأشكال جديدة. وستبقى الفرصة الأكبر للمؤسسات القادرة على الجمع بين المهنية التى صنعت تاريخها، والمرونة التى يفرضها المستقبل.. هذه ربما كانت الرسالة الأهم التى حملتها معى من الصين.
وإلى المقال القادم

البيضة والحجر!
د. محمد محسن رمضان يكتب: الجيل الجديد من التجسس الرقمي يهدد الخصوصية الإلكترونية
دينا الصاوي تكتب: تسعون دقيقة من الانتماء





