الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية التى تعكس ثقافات وحضارات الشعوب، ولكل مبدع تجربة تحمل بصمته الخاصة التى تترجمها أعماله..
الوطن ليس مجرد كلمة أو مكان، بل هو شعور عميق وإحساس متجذر فى الوجدان والذاكرة والحنين.. ومن هذا المنطلق حاولت الفنانة إسراء زيدان من خلال معرضها (الوطن مرة أخرى)، الذى أُقيم مؤخرًا بفيلا آزاد، أن تربط بين مفهوم الوطن لديها وبين مجموعة من الأحاسيس الإنسانية المرتبطة بالأمان والدفء والعودة والطمأنينة.
وقد ترجمت الفنانة هذه المفاهيم عبر مجموعة من اللوحات التى اختارت أن تكون بطلاتها نساء ممتلئات، تحمل ملامحهن قدرًا من البراءة والعفوية والسكينة، فتمنح المتلقى حالة من البهجة والراحة النفسية عند التأمل فى حركاتهن ونظراتهن، كما جاءت عناوين اللوحات معبرة عن هذه الحالة الشعورية، مثل: «سكينة العودة»، «على مشارف الوطن»، «خفة»، «استسلام لليل»، «مازلنا نتحدث»، و»نلتقى من جديد».. وهى عناوين تكشف عن ارتباط الوطن لدى الفنانة بالحالة النفسية والوجدانية أكثر من ارتباطه بالمكان المادى فقط.
فرناندو بوتيرو
هناك فنانون كثيرون اشتهروا برسم النساء الممتلئات أو السمينات، ويعد الفنان الكولومبى فرناندو بوتيرو (1932-2023) أحد أشهر الفنانين الذين ارتبطت أعمالهم برسم ونحت الشخصيات الممتلئة والضخمة، وقد تميز بأسلوب فنى خاص يقوم على تضخيم الأحجام والأجساد بصورة مبالغ فيها، مع الحفاظ على التوازن والجمال التشكيلى داخل العمل الفنى.
ولم يكن هدف بوتيرو السخرية من السمينات، بل كان يسعى إلى إبراز الإحساس بالحجم والكتلة والامتلاء، مع توظيف الطابع الشعبى والإنسانى فى أعماله، وقد تناول فى لوحاته موضوعات متعددة مثل النساء، والعائلات، والراقصين، والموسيقيين، والشخصيات السياسية، مستخدمًا ألوانًا زاهية وتكوينات بسيطة ذات طابع مميز جعلت أعماله معروفة عالميًا.
حلمها الطفولى
كذلك الحال عند الفنانة إسراء زيدان التى تخرجت فى كلية الفنون التطبيقية، حين لجأت إلى اختيار النساء السمينات بطلاتٍ للوحاتها، فهى لا تسخر من أجسادهن الممتلئة، بل ترى فيهن حالة من البراءة والعفوية والمرح، على نحو يقترب من رؤية الفنان الكولومبى فى احتفائه بالكتلة والامتلاء الإنسانى، غير أن تجربة إسراء زيدان تختلف فى توظيف شخصياتها النسائية، إذ تمنحهن أبعادًا وجدانية وشاعرية ترتبط بالطفولة والحنان والخفة الروحية، فترى هؤلاء النساء كالعصافير، يحملن رغم ثقل أجسادهن روحًا خفيفة وبريئة، مفعمة بالألفة والسلام والدفء الإنسانى.
فهى عندما ترسم فتاة مغمضة العينين تطير بحصانها فى السماء، تبدو وكأنها تحقق حلمها الطفولى الجميل، فى مشهد يمزج بين الخيال والبراءة والتحرر، وتتحول الشخصية أو البطلة هنا إلى رمز للانطلاق بعيدًا عن ثقل الواقع، حيث تعبر الفنانة من خلال هذا التكوين الحالم عن عالم داخلى مفعم بالأمان والسكينة والحرية، فتبدو بطلتها وكأنها تحلق داخل فضاء من الأحلام والذكريات، فى حالة من الصفاء النفسى والتصالح مع الذات.
انسجام
فى هذه اللوحة التى أطلقت عليها الفنانة عنوان «انسجام»، جسدت فتاتها جالسة مغمضة العينين وهى تعزف على الناى فى ظلمة الليل وسكينته، بينما يضىء الهلال السماء الزرقاء خلفها فى هدوء شاعرى، وتحيط بها مراكب ورقية بيضاء تسبح فوق المياه العذبة، فى تكوين بصرى يفيض بالصفاء والطمأنينة.
ويحمل هذا المشهد الحالم دلالات عميقة ترتبط بالحنين إلى عالم أكثر نقاءً وبراءة، عالم تتداخل فيه الأحلام مع الذكريات، وتتحول فيه الموسيقى إلى لغة للتأمل والسلام الداخلى، كما توحى المراكب الورقية بإحساس طفولى رقيق، يعبر عن الهشاشة والجمال العابر، وكأن الفنانة تحاول من خلالها استعادة لحظات دافئة من الوطن النفسى والروحى، ذلك الوطن الذى يسكن الذاكرة والوجدان أكثر مما يسكن المكان.
وتعزز الفنانة هذا الإحساس من خلال اعتمادها على ألوان زاهية، وأحيانًا هادئة، وتكوينات بسيطة تمنح المشهد حالة من الاتزان البصرى والروحى، فتبدو الشخصية وكأنها منفصلة عن صخب الواقع وغارقة فى عالمها الداخلى، كما يسهم عنصر الضوء المنبعث من الهلال فى إضفاء طابع روحانى على اللوحة، ليصبح الليل هنا ليس رمزًا للعتمة، بل مساحة للتأمل والبوح والسكينة.
وتكشف اللوحة كذلك عن قدرة الفنانة إسراء على توظيف العناصر الرمزية بصورة شاعرية، فالناى يرتبط بالحزن الشفيف والحنين، بينما ترمز المياه إلى الصفاء والتطهر والانسياب الهادئ للحياة، فى حين تبدو المراكب الورقية وكأنها أحلام صغيرة تواصل رحلتها فى هدوء رغم هشاشتها.. ومن خلال هذا التآلف بين العناصر البصرية والرمزية تنجح الفنانة فى خلق حالة من «الانسجام» الحقيقى بين الإنسان والطبيعة والذاكرة والحلم.
وفى المجمل، فإن فكرة ومغزى معرض «الوطن مرة أخرى» لا تتوقف عند حدود المكان بمعناه التقليدى، وإنما تمتد إلى الوطن بوصفه حالة شعورية وإنسانية تسكن الذاكرة والروح.
أول مقر لجامعة المنصورة يسجل بموسوعة التراث العالمى
مزيكا «شيرين» و«حماقى» و«سعد» يتنافسون على الأكثر استماعًا
«المايكرو دراما».. ثورة الحلقات القصيرة على المنصات الرقمية





