أبعاد صحية واقتصادية.. تحليل علمي يكشف أسرار "الحبة الكاملة"

الخبز - ارشيفية
الخبز - ارشيفية


الحديث عن القمح في مصر، لم يعد مقتصرًا على كونه محصولاً استراتيجيًا أو سلعة غذائية أساسية، ترتبط برغيف الخبز المدعم، بل بات ملفًا يرتبط فيه الأمن الغذائي مع الصحة العامة والاقتصاد الوطني.

وفي ظل الارتفاع المستمر لمعدلات الأمراض المزمنة من جهة، والضغوط المتزايدة على فاتورة استيراد القمح والعملات الأجنبية من جهة أخرى، تتصاعد الدعوات العلمية لإعادة النظر في نمط إنتاج واستهلاك الخبز، والانتقال تدريجيًا نحو الاعتماد على الحبة الكاملة، باعتبارها خيارًا أكثر فائدة للصحة وأكثر كفاءة في استغلال الموارد.

هذا التوجه، يفتح نقاشًا واسعًا حول العلاقة بين جودة الغذاء ومستقبل التنمية، خاصة مع تأكيد خبراء التغذية والزراعة والاقتصاد، بأن فقدان أجزاء مهمة من حبة القمح، خلال عمليات الطحن لا يحرم المستهلك من عناصر غذائية أساسية فحسب، بل ينعكس أيضًا على كفاءة الاستفادة من المحصول ذاته.

وفي هذا السياق، أجمع عدد من الأساتذة والخبراء بجامعة المنصورة على أن ملف القمح لم يعد مجرد قضية زراعية أو غذائية، بل أصبح قضية ترتبط بالصحة العامة والاقتصاد القومي وجودة الحياة.

 

- خبز أبيض يهدد الصحة ودولار يضغط الاقتصاد 

 

أكد الدكتور رضا عبد السلام، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة بكلية الحقوق جامعة المنصورة وعضو مجلس النواب، أن مصر تواجه تحديًا متصاعدا يتعلق بنمط الغذاء خلال السنوات الأخيرة، نتيجة الاعتماد المتزايد على الأطعمة المصنعة والدقيق الأبيض، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على صحة المواطنين وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة.

وأضاف أن العديد من الأمراض مثل أمراض القولون والمعدة والجهاز الهضمي، إلى جانب أمراض الضغط والسكر والقلب والعظام، أصبحت مرتبطة بشكل كبير بجودة الغذاء وليس فقط بكميته، مشيرًا إلى أن شريحة متزايدة من المواطنين بدأت بالفعل في إعادة التفكير في نمط غذائها اليومي نتيجة هذه التأثيرات الصحية الواضحة.

 

- فقدان القيمة الغذائية

 

ولفت إلى أن عمليات تصنيع الدقيق الأبيض عبر نزع الردة وجنين القمح من حبة القمح أدت إلى فقدان جزء مهم من القيمة الغذائية، رغم أن الشكل الأبيض لرغيف الخبز أصبح الأكثر قبولًا لدى المستهلك، معتبرًا أن هذا القبول الشكلي لا يعكس القيمة الصحية الحقيقية للغذاء.

 

اقرأ ايضا| عيش السِن والحبوب الكاملة.. فوائد مهمة وتحذيرات لابد منها

 

وأكد أن العودة إلى الحبة الكاملة تمثل استعادة للتوازن الغذائي الطبيعي الذي يحتاجه الجسم، حيث إن الحبة كما خلقها الله تحتوي على عناصر غذائية متكاملة، وأن أي تدخل يفصل مكوناتها يقلل من قيمتها الصحية.

 

- القمح والاستيراد والضغط على الدولار

 

وشدد أستاذ الاقتصاد والمالية العامة بكلية الحقوق جامعة المنصورة، على أن القضية لا تقف عند حدود الصحة فقط، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية استراتيجية، في ظل كون مصر من أكبر الدول المستوردة للقمح، بما يشكل ضغطا متزايدا على الموازنة العامة واحتياجات العملة الصعبة.

وأشار إلى أن التوسع في استخدام الحبة الكاملة يمكن أن يرفع كفاءة الاستفادة من القمح المستورد، ويقلل من الهدر الناتج عن عمليات الفصل والاستخراج، بما يساهم تدريجيًا في تقليل حجم الاستيراد وتخفيف الضغط على الدولار وتحسين ميزان المدفوعات.

 

- صحة أفضل واقتصاد أقوى

 

وأضاف أن أي تحسن في إدارة ملف القمح والغذاء يحقق عائدًا مزدوجًا، يتمثل في تحسين صحة المواطن وتقليل الاعتماد على العلاج من جهة، وتخفيف الأعباء الاقتصادية على الدولة من جهة أخرى، بما ينعكس على رفع كفاءة الإنتاجية وتقليل الضغط على منظومة الدعم.

واختتم تصريحاته، بالتأكيد على أن التغيير الحقيقي يبدأ من وعي المجتمع وثقافته الغذائية، مشددًا على أن التحول نحو الحبة الكاملة والغذاء الطبيعي يمثل خطوة مهمة نحو حياة أكثر صحة واستقرارًا، داعيًا إلى تبني هذا الاتجاه بشكل تدريجي ومدروس داخل المجتمع المصري.

 

- لماذا أصبحت الحبوب الكاملة ضرورة صحية واقتصادية؟

 

أكد الدكتور علاء وفا، أستاذ الباطنة والغدد الصماء والسكر والميتابوليزم، ووكيل كلية الطب بجامعة المنصورة للدراسات العليا والبحوث، أن ما يتم تناوله يوميا من خبز أبيض يعتمد على دقيق منزوع منه الردة وجنين القمح، وهو ما يفقده جزءا كبيرا من قيمته الغذائية الأساسية، وعلى رأسها الألياف التي تمثل عنصرا محوريا في صحة الجهاز الهضمي.

وأوضح أن هذا النقص في الألياف لا يمر دون تأثير، بل ينعكس بشكل مباشر على كفاءة عمل الأمعاء، حيث يؤدي إلى ضعف الحركة الطبيعية للجهاز الهضمي، وزيادة احتمالات الإصابة بالإمساك المزمن ، فضلا عن مشكلات متكررة مثل الانتفاخ واضطراب الهضم، وهي أعراض أصبحت شائعة بشكل ملحوظ مع انتشار استهلاك الخبز الأبيض بصورة يومية ومكثفة.

 

- نقص الألياف بداية سلسلة من الاضطرابات الهضمية

 

وأشار "وفا" إلى أن إزالة الردة وجنين القمح أثناء عمليات التصنيع "الطحن" تمثل نقطة تحول جوهرية في القيمة الغذائية للخبز، إذ تؤدي إلى فقدان العنصر الأكثر تأثيرًا في تحسين الهضم وتنظيم حركة الأمعاء، وهو ما يجعل الجهاز الهضمي أكثر عرضة للبطء في الأداء وتراكم الفضلات داخل المعدة والأمعاء.

وأضاف أن استمرار هذا النمط الغذائي قد يرتبط بزيادة احتمالات الإصابة بمشكلات القولون على المدى الطويل، موضحًا أن العلاقة بين قلة الألياف في الغذاء وبين صحة الجهاز الهضمي أصبحت من الحقائق العلمية المستقرة التي تؤكدها الدراسات الحديثة في مجال التغذية.

 

- مخاطر تمتد لأمراض مزمنة

 

ولفت وكيل كلية الطب بجامعة المنصورة، إلى أن الخبز الأبيض يتميز بارتفاع المؤشر الجلايسيمي، وهو ما يعني سرعة تحوله إلى جلوكوز داخل الجسم، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في سكر الدم، يعقبه انخفاض سريع، ما ينعكس على الجسم في صورة خمول وإرهاق متكرر بعد تناول الوجبات.

وأوضح أن هذا النمط المتكرر من الارتفاع والانخفاض في سكر الدم لا يقتصر تأثيره على الإحساس اللحظي بالتعب، بل يمتد ليشكل عامل خطر مع الوقت، حيث يزيد من احتمالات الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، بالإضافة إلى ارتباطه غير المباشر بزيادة مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية.

 

- السمنة نتيجة مباشرة لغياب الشبع الغذائي

 

وفي سياق متصل، شدد "وفا" على أن الخبز الأبيض لا يمنح الإحساس بالشبع لفترات طويلة، نتيجة افتقاره للألياف والبروتين، وهو ما يدفع الكثير من الأفراد إلى استهلاك كميات أكبر من الطعام دون وعي، الأمر الذي ينعكس تدريجيًا على زيادة الوزن وارتفاع معدلات السمنة.

وأشار إلى أن بعض المقارنات الغذائية توضح الفارق الكبير بين الخبز الأبيض والخبز البلدي، حيث يحتوي الخبز الأبيض على سعرات أقل في القطعة الواحدة، إلا أن غياب الإحساس بالشبع يؤدي إلى استهلاك كميات أكبر، بينما توفر الحبوب الكاملة إحساسًا أطول بالامتلاء، ما يساعد على ضبط الوزن بشكل أفضل على المدى الطويل.

 

- الحبوب الكاملة تركيبة غذائية متكاملة تدعم صحة الإنسان

 

وأكد علاء وفا، أن الحبوب الكاملة تمثل أحد أهم مكونات النظام الغذائي الصحي المتوازن، نظرًا لاحتوائها على العناصر الثلاثة الأساسية: النخالة الغنية بالألياف، والجنين الذي يحتوي على الدهون الصحية والفيتامينات، إلى جانب السويداء التي تمثل مصدرًا للطاقة والبروتينات.

وأوضح أن هذا التكامل الغذائي هو ما يمنح الحبوب الكاملة قيمتها الحقيقية، حيث تساهم في تحسين صحة القلب والأوعية الدموية، وتنظيم مستويات السكر في الدم، والحد من اضطرابات الجهاز الهضمي، فضلًا عن دورها في تقليل الالتهابات المزمنة داخل الجسم.

وأضاف أن الأنواع المختلفة من الحبوب الكاملة مثل "الشوفان، والأرز البني، والبرغل، والقمح الكامل، والشعير، والكينوا"، تمثل خيارات غذائية مهمة يمكن الاعتماد عليها يوميًا كبديل صحي أكثر توازنًا من الحبوب المكررة.

 

- تصحيح المفاهيم الغذائية ضرورة علمية واقتصادية

 

وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة بناء الوعي الغذائي على أسس علمية دقيقة، في ظل انتشار معلومات غير موثقة حول الغذاء والتغذية، مؤكدًا أن تصحيح المفاهيم المغلوطة لم يعد رفاهية، بل ضرورة صحية ومجتمعية ملحة.

 

اقرأ ايضا| مخبوزات الحبة الكاملة.. وصفات شهية تجمع بين الطعم اللذيذ والفوائد الصحية

 

وأوضح أن طرح القضايا الغذائية من منظور علمي منظم يساعد على توضيح العلاقة الحقيقية بين الغذاء والصحة والأمراض، بشكل يخاطب جميع الفئات، سواء المتخصصين أو غير المتخصصين، مع احترام العقل العلمي للقارئ وتقديم المعلومة بصورة واضحة ومبسطة.

واختتم تأكيده على أن هذا الطرح العلمي الأكاديمي يسهم في إعادة ضبط المفاهيم الغذائية داخل المجتمع، ويضع أساسا أكثر وعيًا في التعامل مع الغذاء، بما ينعكس إيجابًا على الصحة العامة وتقليل معدلات الأمراض المرتبطة بنمط التغذية غير السليم، مشددًا على أن الهدف النهائي هو الوصول إلى الحقيقة العلمية ونشرها بعيدًا عن التضليل أو التبسيط .

 

- الحبوب الكاملة غذاء أوصت به السماء وأكدته المعامل 

 

وأوضح الدكتور متولي محمد أبو سريع، وكيل كلية الزراعة بجامعة المنصورة لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة وأستاذ كيمياء وتكنولوجيا الألبان، أن الرسالات السماوية جميعها أرست قاعدة واضحة في التعامل مع الغذاء، تقوم على إباحة الطيب والنافع للإنسان، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم أكد ذلك في قوله تعالى: "يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا"، كما وردت إشارات مماثلة في التوراة والإنجيل تدعو إلى تناول الغذاء النافع باعتباره نعمة مسخرة للإنسان.

وأكد أن الأديان السماوية لم تنظر إلى الطعام باعتباره مجرد وسيلة للشبع، بل كجزء من منظومة متكاملة للحفاظ على صحة الإنسان الجسدية والنفسية، وهو ما أثبتته الدراسات والأبحاث الحديثة في علوم التغذية.

 

- المرض ليس دائما بسبب الطعام والخلل قد يكون فسيولوجيا

 

وأشار إلى أن ربط بعض الأمراض بأنواع محددة من الأغذية بشكل عام يعد تعميما غير دقيق من الناحية العلمية، موضحًا أن الأصل في الغذاء هو النفع، بينما تظهر بعض الأعراض المرضية لدى أشخاص يعانون من قصور أو خلل فسيولوجي يمنع الجسم من التعامل الكامل مع بعض المكونات الغذائية.

وأضاف أن اللبن يعد واحدًا من أهم الأغذية الكاملة التي اعتمد عليها الإنسان منذ بداية الحياة، بل وورد ذكره في القرآن الكريم كأحد أنهار الجنة، ورغم ذلك يعاني بعض الأشخاص من اضطرابات هضمية عند تناوله بسبب عدم قدرة أجسامهم على إفراز إنزيم "اللاكتيز" المسؤول عن هضم سكر اللاكتوز.

وتابع أن المشكلة هنا لا تكمن في اللبن ذاته، وإنما في طبيعة الجسم وقدرته الفسيولوجية، وهو ما دفع العلم الحديث إلى تقديم بدائل مناسبة مثل الزبادي والجبن القريش واللبن الخالي من اللاكتوز حتى لا يحرم الإنسان من الفوائد الغذائية المهمة.

 

- "التلبينة" وصفة نبوية جمعت اللبن والعسل والحبوب الكاملة

 

وأوضح الدكتور متولي أبو سريع، أن التلبينة تعد نموذجا غذائيا متكاملا يجمع بين فوائد اللبن والعسل والحبوب الكاملة مثل الشعير، لافتا إلى أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أوصى بها لما لها من أثر في تهدئة النفس وتقوية الجسم وتخفيف الحزن.

وأشار إلى أن الأبحاث العلمية الحديثة أثبتت أن الشعير والحبوب الكاملة تحتوي على ألياف "بيتا جلوكان" التي تساهم في خفض الكوليسترول الضار وتنظيم مستويات السكر في الدم، إلى جانب احتوائها على عناصر مهمة مثل الماغنيسيوم والبوتاسيوم التي تساعد على تهدئة الأعصاب وتحسين الحالة المزاجية.

وأضاف أن الحبوب الكاملة تمنح إحساسا بالشبع لفترات طويلة، وهو ما يجعلها عنصرًا أساسيًا في برامج التخسيس وإنقاص الوزن، فضلا عن سهولة هضمها وفوائدها لمرضى الجهاز الهضمي.

 

- العلم والتغذية علاقة تكشف الحقيقة بعيدًا عن الشائعات

 

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن الحديث عن علاقة الغذاء بالصحة والمرض يجب أن يقوم على أسس علمية دقيقة، تفرق بين طبيعة الغذاء نفسه وبين قدرة الجسم على التعامل معه، مشددًا على أن التوعية الغذائية السليمة أصبحت ضرورة في مواجهة الشائعات والمفاهيم الخاطئة المرتبطة بالطعام والصحة.

 

- البروتين العالي وجودة الجلوتين سر تميز القمح المصري

 

أكد د مأمون أحمد عبدالمنعم المصيلحي، رئيس قسم المحاصيل الزراعية بكلية الزراعة جامعة المنصورة، أن القمح المصري يمتلك قيمة غذائية مرتفعة تجعله من أفضل أنواع القمح المستخدمة في صناعة الخبز، موضحًا أن نسبة البروتين في العديد من الأصناف المحلية تصل إلى نحو 13%، وهي نسبة تمنحه أفضلية واضحة مقارنة ببعض الأقماح المستوردة.

وأوضح أن جودة القمح لا تقاس فقط بنسبة البروتين، وإنما بنوعية الجلوتين أيضا، لما له من دور أساسي في منح العجين التماسك والمرونة المطلوبة، وهو ما يجعل القمح المصري عنصرا مهما في تحسين جودة المخبوزات ورغيف الخبز البلدي.

وأضاف أن القمح المحلي يتميز بدرجة نقاء وأمان أعلى نتيجة حداثة تداوله وتخزينه داخل مصر، بعيدا عن مخاطر النقل البحري الطويل أو احتمالات التعرض للرطوبة والفطريات أثناء الشحن الخارجي.

 

- أصناف مصرية حديثة تتحدى الحرارة والملوحة وأمراض الأصداء

 

وأشار رئيس قسم المحاصيل الزراعية إلى أن جهود الباحثين المصريين خلال السنوات الأخيرة نجحت في استنباط أصناف قوية وواسعة التكيف مع الظروف المناخية المختلفة، مثل "سخا 95" و"جيزة 171" و"سدس 14" و"مصر 3" و"مصر 4".

وأوضح أن صنف "سخا 95" يعد من أبرز الأصناف القادرة على تحمل الملوحة والإجهاد الحراري، لذلك يناسب الأراضي الصحراوية والمناطق الجديدة، كما يتميز بمقاومته القوية لأمراض الأصداء التي تمثل خطرًا كبيرًا على محصول القمح.

وأضاف أن "جيزة 171" يتمتع بصفات خبيزية مميزة ونسبة مطاطية مرتفعة للعجين، بينما يجمع "سدس 14" بين غزارة الإنتاج وارتفاع نسبة البروتين النباتي، وهو ما يعزز قيمته الغذائية والاقتصادية في الوقت نفسه.

وأكد أن هذه النتائج لم تتحقق بشكل عشوائي، بل جاءت من خلال برامج تربية وأبحاث علمية طويلة استهدفت زيادة الإنتاج وتحسين الجودة وقدرة النبات على مواجهة التغيرات المناخية.

 

- الحبة الكاملة القيمة التي يفقدها الدقيق الأبيض

 

وأوضح د. مأمون المصيلحي أن الحبة الكاملة تمثل الصورة الغذائية الأهم للقمح، لاحتوائها على الألياف الغذائية والمعادن والفيتامينات الطبيعية التي يحتاجها الجسم بصورة يومية.

وأشار إلى أن تناول الحبوب الكاملة يساعد على تحسين صحة الجهاز الهضمي وتنظيم مستويات السكر والكوليسترول في الدم، كما يمنح إحساسا بالشبع لفترات طويلة، ما يجعلها عنصرا مهما داخل الأنظمة الغذائية الصحية وبرامج إنقاص الوزن.

وأضاف أن "جنين القمح" يعد الجزء الأغنى داخل الحبة، رغم صغر حجمه، لاحتوائه على مضادات أكسدة وفيتامينات وأحماض دهنية مهمة تدخل في الصناعات الغذائية والدوائية وحتى مستحضرات التجميل.

ولفت إلى أن تصنيع الدقيق الأبيض يؤدي إلى فقدان جزء كبير من هذه العناصر بسبب إزالة النخالة وجنين القمح أثناء الطحن، وهو ما يقلل من القيمة الغذائية مقارنة بالدقيق الكامل أو منخفض الاستخراج.

 

- البحث العلمي كلمة السر في مستقبل القمح المصري

 

وأكد رئيس قسم المحاصيل الزراعية بكلية الزراعة جامعة المنصورة أن الأبحاث الحديثة لم تعد تركز فقط على زيادة عدد السنابل أو إنتاجية الفدان، بل أصبحت تستهدف تحسين جودة الحبوب ورفع قيمتها الغذائية وزيادة قدرتها على تحمل الجفاف ونقص المياه وارتفاع درجات الحرارة.

وأضاف أن تطوير أصناف مبكرة النضج وأكثر مقاومة للأمراض يساهم بشكل مباشر في زيادة دخل المزارعين وتقليل الفجوة الاستيرادية، بما يدعم الأمن الغذائي المصري في ظل التحديات العالمية الحالية.

 

- القمح ليس مجرد محصول زراعي 

 

وفي ختام تصريحاته، أكد مأمون أحمد عبدالمنعم المصيلحي، على أن القمح يمثل قضية أمن قومي وغذائي وصحي في آن واحد، مشددًا على أن دعم البحث العلمي والتوسع في زراعة الأصناف الحديثة يمثلان الطريق الأهم للحفاظ على جودة الخبز المصري وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.

 

- نسبة الاستخلاص العامل الحاسم في قيمة الدقيق

 

أكد د. شادي محمد الشهاوي، أستاذ الصناعات الغذائية بكلية الزراعة جامعة المنصورة، أن القمح يعد من أهم محاصيل الحبوب في العالم، كونه يمثل الغذاء الأساسي لملايين البشر ويدخل في إنتاج الخبز والمكرونة والمخبوزات المختلفة، مشيرا إلى أن القيمة الغذائية لدقيق القمح تختلف بشكل واضح وفقا لنسبة الاستخلاص وطرق الطحن.

وأوضح أن نسبة الاستخلاص تعني مقدار ما يتم الاحتفاظ به من مكونات الحبة الكاملة داخل الدقيق، سواء كانت من الردة أو الجنين أو الإندوسبرم، وكلما ارتفعت هذه النسبة زادت القيمة الغذائية للدقيق.

وأضاف أن الدقيق الأبيض منخفض الاستخلاص بنسبة 72% يعتمد بشكل أساسي على الإندوسبرم النشوي، لذلك يتميز بسهولة الهضم وتحسن خصائص الخبيز، لكنه يفقد جزءًا كبيرًا من الألياف والفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة نتيجة إزالة الردة والجنين.

 

- دقيق الحبة الكاملة أعلى قيمة غذائية داخل القمح

 

وأشار إلى أن دقيق القمح الكامل يمثل الصورة الغذائية الأعلى للحبة، لأنه يحتوي على جميع مكوناتها دون فصل، ما يجعله غنيا بالألياف الغذائية والبروتينات والزيوت الصحية والفيتامينات والمعادن.

وأكد أن استهلاك الحبوب الكاملة يرتبط علميا بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والسمنة والسكري من النوع الثاني، إضافة إلى تحسين صحة الجهاز الهضمي وتنظيم مستويات السكر والكوليسترول في الدم.

وأوضح أن الدقيق متوسط الاستخلاص بنسبة 82% يمثل مرحلة وسطية بين الدقيق الأبيض والدقيق الكامل، حيث يحتفظ بجزء أكبر من العناصر الغذائية مثل الألياف والمعادن وفيتامينات مجموعة "ب"، مع الحفاظ على خصائص خبيز جيدة.

 

- الطحن الحديث وتأثيره على جودة الدقيق

 

وأضاف د. شادي الشهاوي أن عمليات الطحن تؤثر بشكل مباشر على القيمة الغذائية للدقيق الناتج، حيث يؤدي فصل أجزاء الحبة إلى تغير كبير في التركيب الكيميائي والغذائي.

وأوضح أن الدقيق منخفض الاستخلاص يحتوي على نسبة أعلى من النشا، بينما تقل فيه الألياف والفيتامينات والمعادن بسبب إزالة الردة والجنين، في حين تحتوي هذه الأجزاء على عناصر غذائية مهمة مثل الحديد والزنك والمغنيسيوم وفيتامين B1.

وأشار إلى أن تقنيات الطحن الحديثة مثل الطحن التدريجي والطحن بالحجر والطحن فائق الدقة ساهمت في تحسين جودة الدقيق وتقليل الفاقد من العناصر الغذائية المهمة، مع الحفاظ على بعض المركبات الحيوية المفيدة.

 

- حساسية القمح حالات فردية لا تلغي قيمته الغذائية

 

وأكد أن بعض مكونات القمح قد تسبب مشكلات صحية لفئات معينة من الأشخاص، لكنها لا تقلل من قيمته الغذائية العامة، موضحا أن هذه الحالات تشمل حساسية القمح ومرض السيلياك وحساسية الجلوتين غير السيلياكية.

وأشار إلى أن حساسية القمح هي استجابة مناعية لبعض البروتينات، وقد تظهر في صورة أعراض جلدية أو تنفسية أو هضمية، بينما يعد مرض السيلياك اضطرابا مناعيا يؤدي إلى تلف الأمعاء الدقيقة عند تناول الجلوتين.

وأضاف أن بعض الأشخاص يعانون من حساسية الجلوتين دون وجود تلف مناعي واضح، وهي حالة ما زالت قيد البحث العلمي، وتظهر في صورة انتفاخ وآلام بالبطن واضطرابات هضمية.

 

- القمح بين العلم والصناعة الغذائية

 

واختتم د. شادي الشهاوي تصريحاته، بالتأكيد على أن مستقبل الصناعات الغذائية يعتمد على تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على القيمة الغذائية للقمح وتحسين خصائصه التكنولوجية في الخبز والمخبوزات، مع تطوير منتجات تناسب جميع الفئات، بما يضمن أعلى استفادة صحية وغذائية ممكنة.

 

- رد مطاحن شمال القاهرة

 

وفي اتصال هاتفي، بالمهندس احمد العسوي رئيس مجلس إدارة مطاحن شمال القاهرة أن الشركة بدأت بالفعل في تشغيل خط إنتاج متخصص لإنتاج دقيق الحبة الكاملة، في إطار التوسع في تقديم منتجات غذائية أكثر قيمة وفائدة صحية للمواطنين.

وأوضح أنه تم طرح كميات من الدقيق المتكامل في الأسواق خلال الفترة الماضية، وسط متابعة مستمرة لجودة المنتج ومطابقته للمواصفات القياسية.

وأضاف أن عددا من الأفران بدأت بالفعل في الاعتماد على دقيق الحبة الكاملة لإنتاج الخبز، بما يواكب توجهات الدولة نحو تعزيز ثقافة الغذاء الصحي وتشجيع الأنماط الغذائية السليمة.

ويبقى السؤال: هل نرى قريبًا قرار من الدولة بإنتاج الخبز المدعم بالحبة الكاملة؟