قضية ورأى

فى غزة.. الوقت من دم

 د. أيمن الرقب
د. أيمن الرقب


الاعتداءات الأمريكية الإسرائيلية على إيران فى الثامن والعشرين من فبراير الماضى شغلت العالم عن القضية الفلسطينية وعما يحدث فى قطاع غزة من تدمير وقتل متعمد رغم الهدنة التى بدأت فى الحادى عشر من أكتوبر الماضى، هنا استشعرت جمهورية مصر العربية خطورة الأمر خاصة بعد أن خرج رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بخطاب إعلامى يشير فيه إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلى يسيطر على ما يزيد على ستين بالمائة من قطاع غزة وقريبًا ستتسع هذه المنطقة إلى سبعين بالمائة، وتبع ذلك تصريح لوزير الحرب الإسرائيلى «إسرائيل كاتس» أكد فيه أن خطة تهجير سكان قطاع غزة ما زالت قائمة، والتهجير أمر حتمى وبشكل طوعى، مستندًا فى ذلك إلى تحول بيئة قطاع غزة لبيئة طاردة، متزامنة مع فقدان الأمل لدى الشعب الفلسطينى. 

لقد اعتقد الاحتلال الإسرائيلى أن هذه الظروف الدولية تساعده فى تحقيق مآربه فى قطاع غزة، خاصة أن الانتخابات الإسرائيلية أصبحت قريبة، وورقة قطاع غزة ورقة مهمة لاستمالة صوت اليمين الإسرائيلى. 

واستشرافًا للأحداث المستقبلية، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وقطعًا للطريق التى يخطط لها بنيامين نتنياهو وحكومته المتطرفة كثفت جمهورية مصر العربية اتصالاتها السريعة مع الوسطاء التركى والقطرى، وتم الاتفاق على دعوة الفصائل الفلسطينية لاجتماعات طارئة لمناقشة الأوضاع فى قطاع غزة، ووضع آلية تتماشى مع خارطة الطريق التى قدمها السيد نيكولاى ميلادينوف بصفته ممثل مجلس السلام، وبالفعل حضرت الفصائل الفلسطينية والوسطاء إلى القاهرة فى السادس من الشهر الجاري، وبدأ عقد اجتماعات جماعية وفردية بين الوسطاء والفصائل الفلسطينية بهدف قطع الطريق على بنيامين نتنياهو ودفع ذرائعه لاستمرار القتل فى قطاع غزة، وما زالت الاجتماعات مستمرة من أجل وضع رؤية متكاملة لكل القضايا لضمان الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، والتى ستشهد دخول قوات الاستقرار الدولى وانسحاب الاحتلال الإسرائيلى من قطاع غزة، ودخول الشرطة الفلسطينية لضبط الأمن الداخلى، وإدارة اللجنة الوطنية للأمور فى داخل قطاع غزة. 

لقد مثل الإعلان عن قرب الوصول لاتفاق هدنة، أو وقف للحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ضغطا كبيرا على المجتمعين فى القاهرة، خاصة أن إيران تصر على ربط الملف اللبنانى وحزب الله فى أى اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا سيدفع القيادة الأمريكية للضغط على الاحتلال الإسرائيلى لوقف عملياته داخل الأراضى اللبنانية، وبالتالى تترك غزة لوحدها. 

لقد سادت الاجتماعات روح المسئولية من قبل الجميع مع الوسطاء، وتقدير الخطر القادم؛ ولذلك كانت الاجتماعات معمقة، وناقشت آلية تجاوز كل العقبات، خاصة ما يطلق عليه البند الثامن فى خطه السيد نيكولاى ميلادينوف التى تتعلق بالسلاح فى قطاع غزة، خاصة أنه لم يعد فى قطاع غزة سلاح ثقيل، وما تبقى سلاح خفيف يحتاج لترتيبات أمنية حتى لا يحدث فراغ أثناء تركز السلاح فى يد الشرطة الفلسطينية، مع رفض الجميع فكرة تسليم أى سلاح للاحتلال الإسرائيلي، والانفتاح على فكرة وحدانية السلاح فى يد الشرطة الفلسطينية، والتى ستتولى السيطرة التدريجية على قطاع غزة. 

قد يكون موضوع السلاح -رغم أنه سلاح خفيف- موضوعًا معقدًا لأنه مرتبط بضمان وقف الاغتيالات والقتل التى يمارسها الاحتلال ضد الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة، حيث استشهد أكثر من تسعمائة وخمسين فلسطينيا منذ دخول التهدئة وقف التنفيذ فى الحادى عشر من أكتوبر الماضى، وكذلك مرتبط أيضًا بضمان تفكيك الميليشيات المسلحة الموجودة على حدود قطاع غزة ويمولها الاحتلال الإسرائيلى.

إضافة لانسحاب الاحتلال الإسرائيلى من مساحات كبيرة من قطاع غزة مع وصول قوات الاستقرار الدولى التى ستأخذ على عاتقها ترتيبات الوضع الأمنى بالتعاون مع الشرطة الفلسطينية، ولأن الوقت من دم فى قطاع غزة نأمل أن يتم تذليل كل العقبات للوصول لرؤية تقدم لمجلس السلام ليمارس ضغطًا على حكومة بنيامين نتنياهو لوقف الحرب على قطاع غزة، والذهاب لتسويات سياسية قبل الانتخابات الإسرائيلية التى سيتم إجراؤها فى أكتوبر القادم. 

نأمل أن تتكلل هذه الاجتماعات -التى ما زالت مستمرة- بالنجاح من أجل إلقاء الكرة فى ملعب الإدارة الأمريكية التى عليها أن تتخذ قرارًا فى هذا الأمر، فهى التى موَّلت هذه الحرب وصمتت على جرائم الاحتلال ضد شعبنا الفلسطينى على مدار سنوات، وآن الأوان لتعطى موقفًا واضحًا رافضًا لاستمرار عمليات القتل فى غزة، أما إذا استمرت هذه المنهجية والذهاب لحل إيرانى لبنانى دون حل فلسطينى، فهذا يحتاج إلى أن يعيد العرب تقييمهم العميق للعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن كما أشرنا الأهم هو أن نلقى الكرة أولًا فى ملعب الإدارة الأمريكية.