فى زمن تبتلع فيه الشاشات الرقمية عقول الأطفال والمراهقين، وتزداد فيه الضغوط الاقتصادية واليومية على الكبار، خرجت من قلب عروس البحر الأبيض المتوسط تجربة استثنائية نجحت فى تحويل «المخلفات المنزلية» إلى طوق نجاة اقتصادى ونفسى لأكثر من مليونى متابع، إنها قصة الطبيب الأكاديمى «إسلام صالحين» الذى لم تمنعه ألقابه العلمية من الركض وراء شغفه الطفولى، ليصبح اليوم أحد أبرز رواد صناعة «الهاند ميد» وإعادة التدوير.
تبدأ الحكاية من هواية الطفولة؛ الأعمال الفنية والرسم، ورغم رغبته فى الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، قادته رغبة والده إلى كلية الزراعة، التى تفوق فيها، وعُين معيدًا، وحصل على الماجستير والدكتوراه، لكن «شغف اليد» لم يمت، فى أوائل الألفية، افتتح محلاً صغيرًا للهدايا فى الإسكندرية يحمل اسم (Wrapping) اختصارًا للتغليف، ومع حلول عام 2005، وضعته الأرقام أمام قرار مصيري؛ حيث كان راتبه الحكومى بعد الماجستير 600 جنيه فقط، فى حين أن إيجار المحل وحده بلغ 500 جنيه، ورواتب العاملات لديه تتجاوز 1200 جنيه. بـ«منطق مادى بحت»، انحاز للمستقبل وتخلى عن الوظيفة المضمونة، ورغم الأزمات الاقتصادية المتعاقبة وثورتين وجائحة كورونا، أثبتت الأيام صحة رؤيته.
مع ظهور منصات التواصل الاجتماعى، تحولت صفحة المحل من مجرد واجهة تجارية إلى «منصة تعليمية مجانية»، تبنى صاحب التجربة فلسفة تبسيط «الكرافت»؛ معتمدًا على خامات منزلية بسيطة ومخلفات معاد تدويرها، ليزيل أى عائق مادى أو تقنى أمام الراغبين فى التعلم. اليوم يقترب عدد متابعيه من حاجز الـ2 مليون متابع، محققًا أهدافًا مجتمعية متباينة؛ للأطفال فى تنمية المهارات اليدوية والذهنية، وللمراهقين بديل صحى وممتع يبعدهم عن إدمان الشاشات، وللكبار مساحة لـ«العلاج بالفن» وفصل الدماغ عن ضغوط اليوم، واقتصاديًا فتح أبواب رزق لمشاريع منزلية صغيرة بأقل رأس مال ممكن.
ما لا يعرفه الكثيرون من متابعى «فيديوهات الكرافت»، أن هذا الطبيب هو نفسه قلم إبداعى يغزل الكلمات فى كواليس الإعلام المصرى، فهو كاتب وصاحب كتب تصدرت قوائم الأكثر مبيعًا، ومعد برنامج «زى ما بقولك كده» للإعلامية الكبيرة إسعاد يونس، والسيناريست الذى يقف وراء برامج ومسلسلات «صاحبة السعادة» الإذاعية التى تبث فى كل موسم رمضانى، رغم هذا النجاح، لكن الحلم ما زال حيًا ويتمثل فى محورين: أولاً: تأسيس كيان مستقل «أكاديمية أو مساحة آمنة» يقدم ورشًا لتعليم الحرف والعلاج بالفن للأطفال والكبار بشكل محترم وغير استهلاكى، ثانيًا: إطلاق أو الإشراف على برنامج مخصص لتنمية مهارات الأطفال، ليعيد إحياء المدرسة الإبداعية للإعلامى الراحل «ماجد عبد الرازق» (بابا ماجد)، فى ظل غياب كامل للمحتوى المصرى الموجه للطفل واكتساح القنوات غير المصرية.
تظل هذه التجربة الملهمة شاهدًا على أن الفن وإعادة التدوير ليسا رفاهية أو تفكيرًا نخبويًا، بل هما كما يصفهما صاحب الرحلة «استثمار حقيقى فى عقل وفكر أجيال، هى من سيقود مستقبل هذا البلد».
ريم الزاهد
النيل يعانق «يانج تسى» بالأوبرا
السفيرة «دنيا»
عرض أول لـ «الرحلة 114»






