كلمة والسلام

ترامب.. ماذا يريد؟

سعيد الخولى
سعيد الخولى


وظاهر الأمور يقول بأن أى هدنة حاليا تحت ضغط القصف المتبادل هى هدنة «إدارة صراع» وليست نهاية صراع

أعتقد أنه سؤال يمكن عمل مسابقة حوله لمعرفة كيف يفكر هذا الرجل وكيف ينصب نفسه لقيادة العالم نحو أوضاع يسودها التوتر المستمر والقلق المتواصل. ومن يتابع تصريحاته خلال الفترة الماضية منذ بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وحزب الله فى لبنان ـ لا يكاد يقف على حالة نفسية وعقلية تفرز حقيقة مؤكدة أو هدفا بعينه من وراء ما يجرى.

كل هذا فى كفة وما يجرى قبيل ساعات من افتتاح مسابقة كأس العالم لكرة القدم التى تستضيفها الولايات المتحدة بالمشاركة مع المكسيك وكندا فى كفة أخرى؛ فبعد تبشير بهدوء وتصريحات من الأطراف الثلاثة بوقف إطلاق النيران ـ إذا بمناوشات عسكرية تجاه إيران ورد إيرانى وهجوم إسرائيلى وسقوط طائرة أمريكية تنذر باشتعال خطير، فإذا بحالة من لملمة أوراق الحرب تسود المنطقة بعد تهديد ووعيد متكرر من ترامب، وإذا بالأطراف الثلاثة توحى للعالم أن الاتفاق النهائى على وقف الحرب بات وشيكا!

وضع يتحول فيه العالم إلى ما يشبه جوالا مليئا بالفئران يحمله ترامب على عاتقه ويسير به نحو المجهول، ويحرص على شقلبته بين آن وآخر لتظل الفئران بداخله بين تصارع فيما بينها أو ذعر يسودها، ويصبح موضوع الهدنة ووقف الحرب بمنزلة قرار تنويم مغناطيسى يسبق كأس العالم لتتم كبرى مسابقات الرياضة عموما على مستوى العالم بما يليق بكون الولايات المتحدة الأمريكية منظما رئيسيا لها، لكن ـ وفى ذات التوقيت ـ تتعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع الفريق الإيرانى بمنطق يطيح بالأعراف الرياضية المتفق عليها عالميا فى مثل هذه المسابقات فتخرج الفرق الرياضية المشاركة فيها من إطار الصراع السياسى ويضمن الاتحاد الدولى المنظم للمسابقة معاملة متساوية لكل الفرق المشاركة، لكن كيف يتم هذا الأمر والمنظم هو الولايات المتحدة والرئيس الحاكم لها بمثل غرابة أطوار ترامب ونهمه الاقتصادى لكل ما فى يد الغير؟،

لقد منعت السلطات الأمريكية بعثة المنتخب الإيرانى من الإقامة والمبيت فى الأراضى الأمريكية خلال منافسات كأس العالم 2026، حيث سُمح للاعبين بدخول أمريكا صباح يوم المباراة فقط والمغادرة فور انتهائها، مما اضطر البعثة لاتخاذ مدينة تيخوانا المكسيكية مقراً لمعسكرها طوال البطولة.

وتعددت الإجراءات الاستفزازية التى اتخذتها أمريكا والقيود التى فرضتها على البعثة: منها رفض منح التأشيرات لعدد من مسئولى وإداريى البعثة.

بل فرضت أمريكا وضعا مريبا يُلزم المنتخب الإيرانى بالدخول يوم المباراة عبر الحدود البرية (أو السفر السريع) للعب مباراتهم والعودة للنوم فى المكسيك، نظراً لرفض واشنطن مبيتهم فى فنادقها.

وكانت أزمة تذاكر الجماهير؛ حيث اتهم الاتحاد الإيرانى الحكومة الأمريكية بسحب حصة تذاكر الجماهير الإيرانية وتجريدهم من نسبتهم المقررة من سعة الملاعب. ولم يستطع الاتحاد الدولى لكرة القدم (الفيفا) سوى الخضوع لبلطجة الدولة العظمى وترتيب هذا الوضع الاستثنائى.

ولعله لو كانت دولة أخرى هى التى فعلت هذا لنالها عقوبات واحمرار عين الفيفا على الأقل بعقوبات تهدد ما تم إنفاقه وما هو متوقع حصاده للدولة المضيفة من رواج سياحى يتوقع له خمسة ملايين سائح وإيرادات تذاكر وبث فضائى وإعلانات تقارب 40 مليار دولار، لو كان الأمر مختلفا بدولة أخرى منظمة واتخذت الإجراءات التى تمت تجاه الفريق الإيرانى لوضع الفيفا كل الأرقام السابقة على المحك، حتى لو تم تأجيل البطولة كما حدث لبطولات أخرى كالأوليمبياد التى تجلت بسبب كورونا.

وظاهر الأمور يقول بأن أى هدنة حاليا تحت ضغط القصف المتبادل هى هدنة «إدارة صراع» وليست نهاية صراع، وأمريكا اختارت أن تهدئ الجبهة العسكرية كى تكسب الجبهة الاقتصادية والإعلامية وتبدو فى أنظار العالم دولة سلام تستضيف العالم عندها لتقدم كأس عالم مختلفا، حتى لو كانت إجراءاتها ضد الفريق الإيرانى والبعثة المرافقة لها قد أزاحت ورقة التوت عن هذه العورة الاستغلالية الطامعة لإدارة ترامب.

الحصيلة أنها هدنة تكتيكية بامتياز، ولا يصبح السؤال: «هل توقفت الحرب؟»، بل يصير السؤال: «هل تعود الحرب بعد صفارة النهائى؟».