كلام يبقى

الديون نقمة وأحيانًا نعمة!

ممتاز القط
ممتاز القط


القروض فى أحيان كثيرة تؤدى لسرعة دوران عجلة الإنتاج والناتج المحلى

سنوات كثيرة عشتها فى مجلس الوزراء كمندوب لصحيفة الأخبار وذلك قبل رئاستى لتحرير أخبار اليوم فى عام ٢٠٠٥ بالإضافة لتكليفى بتغطية أخبار البنوك والبنك المركزى. عشت أحداثًا كثيرة كانت كلها تتعلق بالإصلاح الاقتصادى. اقتربت من رؤساء الوزراء وخاصة العمالقة الدكتور عاطف صدقى ود. كمال الجنزورى ود.عاطف عبيد ود. أحمد نظيف. كانت لهم إسهامات إيجابية كثيرة وكبيرة مكنت مصر من العبور الآمن لبعض التحديات والعقبات.

ويبدو أن المثل الذى يقول «لكل شيخ طريقه» انطبق أيضًا على أسلوب العمل والآليات والإنجازات التى حققها كل واحد منهم وإن كانت كلها تصب فى مصلحة مصر والمصريين.

عشت أحداثًا كثيرة ترتبط ببدايات مصر فى الاقتراض من صندوق النقد والبنك الدوليين وخاصة أنها من المؤسسين للصندوق. تأخذنى السطور السابقة للحديث اليوم عن المشكلة التى تؤرق البعض وهى الخاصة بالمديونية وهل هى نعمة أم نقمة بالنسبة لكل دول العالم.

قد يبدو فى البداية أن المديونية قد تعبر فى أوقات كثيرة عن حالة الاقتصاد ولكن ليس كما قد يعتقد كثير من الناس لأن المديونية فى حالات كثيرة قد تكون سببًا مباشرًا فى دوران عجلة الاقتصاد وزيادة نسبة النمو. لنفترض مثلًا أن دولة اقترضت ١٠ مليارات دولار وتم ضخها فى عجلة الاقتصاد عن طريق مشروعات البنية الأساسية كالطرق والموانئ والمطارات والصناعات التى يزداد فيها استخدام التكنولوجيا الحديثة فإن العائد قد يساهم فى رفع قيمة الناتج الاقتصادى بقيمة ٢٠ مليارًا وهنا تكمن فائدة القرض.

الولايات المتحدة الأمريكية هى صاحبة أكبر دين سيادى فى العالم من حيث القيمة المطلقة وتبلغ ما يزيد عن ٣٦ تريليون دولار أمريكى وتنقسم الديون الأمريكية إلى دين داخلى وهى الأموال التى تقترضها الحكومة من صناديق حكومية مثل صناديق التقاعد بالنسبة للموظفين الفيدراليين وصناديق الضمان الأمريكى. أما الجزء الثانى من الديون فهى مملوكة لأفراد وبنوك وشركات تأمين ومن حكومات أجنبية من الذين يحوزون على سندات الخزانة الأمريكية مثل اليابان وبريطانيا والصين ودول أخرى.

رغم ضخامة الديون الأمريكية إلا أن اقتصادها قادر على النمو وهو الأكبر عالميًا بالإضافة للسمعة الجيدة لسندات الخزانة الأمريكية والتى تعد الأولى فى نسبة الأمان بالإضافة إلى مكانة الدولار وهو العملة الاحتياطية عالميًا.

ومن حيث المديونية تأتى اليابان فى المرتبة الثانية بأكثر من ٩ تريليونات وبما يشكل ما نسبته ٢٥٠ بالمائة من ناتجها المحلى تليها اليونان بنسبة ١٦٠ بالمائة من الناتج المحلى ثم سنغافورة وإيطاليا والسودان.

فى مصر نقاش واسع حول المديونية والتى تقدرها المؤسسات المصرية والعالمية بما يقارب ١٧٠ مليار دولار ومعظمها من صندوق النقد والبنك الدوليين ومؤسسات مالية دولية وحاملى السندات والصكوك بالإضافة لدول أخرى فى مقدمتها السعودية والكويت.

قد لا يعرف البعض أن مصر من الدول المؤسسة لصندوق النقد وساهمت فى رأسمال الصندوق بـ ٤٥ مليون دولار وارتفعت مساهمات مصر لتصل لما يقارب ٢٫١ مليار دولار اليوم. بالطبع فإن مشكلة سداد الديون تأخذ اهتمامًا خاصًا من جانب الحكومة وخاصة أن فوائدها تمثل جزءًا كبيرًا من الناتج المحلى تختلف تقديراته من جهة لأخرى. إن حجم الديون وحدها قد لا تشكل أهمية بقدر ما تشكله قدرة مصر على السداد.

يأخذ ملف المديونية اهتمامًا كبيرًا لا يعتمد فقط على تقليل طلب الحصول على قروض جديدة مع مراجعة أولويات مكونات الناتج المحلى بالاهتمام بالتصدير وتشجيع التدفق السياحى. وزيادة مواردنا من النقد الأجنبى إلا أن الحديث عن المديونية يجب ألا يجعلنا نتناسى أن معظم هذه القروض قد تم إنفاقها فى مشروعات البنية الأساسية ومراعاة قدرة هذه البنية على الاستجابة لمتطلبات المستقبل.

ويقدر الخبراء أن تكاليف مشروعات الطرق والكبارى والموانئ والإسكان وتطوير شبكات الرى والتوسع الزراعى والاهتمام بالصناعة كان يمكن أن تصل إلى أكثر من ٥ أضعاف قيمتها لو تمت اليوم. هذه الحقيقة لابد أن يرتبط بها أيضًا قدرة أى جهات على سداد ما تأخذه من قروض وضرورة الحصر الشامل لكل ملفات القروض وذلك للاستفادة من الأموال المخصصة كمنح والتى لم يتم استغلال قيمتها بالكامل. لكن تظل هناك حقيقة ساطعة نفخر بها وهى أن مصر لم تتخلف اطلاقًا عن سداد إلتزاماتها.
وحقًا من قال إن الديون نقمة ولكنها أحيانًا نعمة والمهم كيف يتم إنفاقها.