تراجع الإنجاب.. الدوافع والأسباب!

اختلاف فكر الشباب.. التعليم.. المتغيرات الاقتصادية.. وزيادة الطلاق

تراجع الإنجاب
تراجع الإنجاب


داليا فهمى

لم يعد تراجع معدلات المواليد فى مصر مجرد مؤشر ديموجرافى عابر، بل أصبح أحد أبرز التحولات السكانية خلال السنوات الأخيرة، وفقًا لبيانات وزارة الصحة والسكان انخفض معدل المواليد من 19.4 مولود لكل ألف نسمة عام 2023 إلى 18.5 مولود فى 2024، ثم إلى 18.1 مولود لكل ألف نسمة خلال 2025.
 

تراجع معدل الإنجاب الكلى إلى 2.34 طفل لكل سيدة فى الوقت الذى هبط فيه عدد المواليد إلى أقل من مليونى مولود سنويًا لأول مرة منذ عام 2007، وبينما تُعد هذه المؤشرات انعكاسًا لتغيرات مجتمعية واقتصادية متسارعة يظل السؤال مطروحًا حول العوامل الحقيقية التى تقف وراء هذا التحول فى سلوك الإنجاب لدى الأسر المصرية.
من جانبه، يقول د.محمود السعيد أستاذ علم الاجتماع إن تفسير انخفاض المواليد من منظور اقتصادى فقط لا يقدم الصورة الكاملة، موضحًا أن المجتمع شهد خلال السنوات الأخيرة تغيرات ثقافية وفكرية واضحة أثرت بشكل مباشر فى قرارات الزواج والإنجاب، وحتى معدلات الطلاق التى ارتفعت بشكل واضح.
وأضاف أن الشباب اليوم أكثر وعيًا بمفهوم التخطيط الأسري، وأكثر اهتمامًا بتوفير بيئة مستقرة للأبناء قبل اتخاذ قرار الإنجاب، وهو ما يختلف عن أنماط التفكير التى كانت سائدة لدى الأجيال السابقة.. مشيرا إلى أن ارتفاع مستويات التعليم، خاصة بين النساء، وزيادة المشاركة فى سوق العمل، ساهما فى إعادة ترتيب الأولويات داخل الأسرة، حيث أصبح تحقيق الاستقرار الشخصى والمهنى خطوة تسبق التفكير فى زيادة عدد أفراد الأسرة.
كما أوضح أن حملات التوعية السكانية والبرامج الإعلامية المتخصصة لعبت دورًا مهمًا فى نشر مفاهيم تنظيم الأسرة، وهو ما انعكس على توجهات قطاع واسع من الشباب الذين أصبحوا أكثر إدراكًا للآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على قرارات زيادة الإنجاب.
واستطرد السعيد قائلًا إن وسائل التواصل الحديثة ساهمت أيضًا فى رفع مستوى الوعي، حيث أصبح الشباب أكثر اطلاعًا على تجارب الآخرين ومتطلبات تربية الأطفال والتحديات المرتبطة بها الأمر الذى جعل قرارات الإنجاب أكثر دراسة وتخطيطًا.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن انخفاض معدلات المواليد هو نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فى الوقت نفسه، مشيرًا إلى أن فهم الظاهرة بشكل دقيق يتطلب النظر إليها من جميع الزوايا بعيدًا عن اختزالها فى سبب واحد فقط.
يقول الخبير الاقتصادى د.أحمد منصور إن تراجع معدلات المواليد خلال السنوات الأخيرة يرتبط بصورة كبيرة بالمتغيرات الاقتصادية التى فرضت نفسها على حياة الأسر، موضحًا أن ارتفاع أسعار السكن والغذاء والتعليم والخدمات الصحية جعل قرار الإنجاب أكثر ارتباطًا بالحسابات المالية مقارنة بما كان عليه فى السابق.
وأضاف أن تكلفة تربية الأبناء ارتفعت بشكل ملحوظ وهو ما دفع العديد من الأزواج إلى إعادة النظر فى عدد الأبناء المخطط لهم، مشيرًا إلى أن هذا الاتجاه لا يقتصر على مصر فقط، بل يظهر فى العديد من الدول التى شهدت ضغوطًا اقتصادية مماثلة.. كما أن الأسر أصبحت أكثر حرصًا على توفير مستوى معيشى مناسب لكل طفل وهو ما انعكس على قرارات الإنجاب خلال السنوات الأخيرة، لافتًا إلى أن بعض الأزواج يفضلون تأجيل الإنجاب لحين الوصول إلى قدر أكبر من الاستقرار المالي.
وأشار إلى أن ارتفاع معدلات التضخم عالميًا خلال السنوات الماضية ساهم فى تعزيز هذا التوجه، حيث أصبحت الأولويات الاقتصادية تحتل مساحة أكبر داخل الأسرة، كما أن الشباب بات أكثر اهتمامًا بتأمين مستقبله المهنى والمالى قبل تحمل مسئوليات إضافية.
وأكد منصور أن انخفاض المواليد قد يسهم فى تخفيف الضغط على بعض الخدمات العامة مستقبلًا، لكنه شدد على أهمية الحفاظ على التوازن الديموجرافى لتجنب أى انعكاسات سلبية على سوق العمل وتركيبة السكان فى السنوات المقبلة.