محمد فرغل
لم يعد الطريق إلى العيادة النفسية يمر عبر أروقة كليات الطب ولا بين دفاتر علم النفس ومرجعياته الأكاديمية الرصينة، بل صار طريقًا مُختصرًا ومُمهَّدًا على صفحات «فيسبوك»، حيث تُباع الكارنيهات وتُمنح الشهادات وتُفتَح العيادات النفسية كما تُفتَح محلات العصير، دون إذن من جهة رسمية، ودون حسيبٍ أو رقيب أو مراجعة، وكأنّ الصحة النفسية قد صارت سلعة يُجرب فيها الهواة أدواتهم، ويعبث فيها غير المتخصصين بمصائر الآخرين، لم تعد الكارثة مقصورة على اجتهادات أفراد أو مغامرات بعض الطامحين إلى الشهرة، بل امتدت لتصبح منظومة كاملة من «المراكز النفسية» التى ظهرت على مدار سنواتٍ فى جزر متفرقة على منصات السوشيال ميديا، تقدم نفسها للجمهور باعتبارها ملاذًا نفسيًا مُعتمدًا، وتُعلن بلا تردد عن دورات تدريبية وشهادات دولية وعضوياتٍ فى هيئات وهمية لا وجود لها إلا فى الخيال.
الأساتذة: التراخيص تصدرها «الصحة» بشرط اجتياز 7 دورات رسمية وتدريب سنتين
من هنا، تنبع أهمية هذا التحقيق، لا لفضح أسماء ولا لمطاردة أشخاص بعينهم، بل لدق ناقوس الخطر حول مهنة أصبحت مباحة لكل مَن يملك طابعة ليزر، و «لوجو» ملونًا، وصفحة مُمولة على السوشيال ميديا، بينما تئن العقول، وتنزف النفوس، فى الوقت الذى تستمر خلاله هذه السوق الموازية فى النمو والانتشار.
فى البداية تحذر الإخصائية النفسية سارة عامر من خطر انتشار عددٍ كبير من الأشخاص غير المُؤهلين، على السوشيال ميديا، يقدمون أنفسهم كمعالجين نفسيين، منهم: الهواة، ومنهم محترفو النصب، هدفهم الأساسى هو جمع الأموال، بغض النظر عن صحة المريض أو سلامته.. وتُضيف: «بعضهم ممكن يكون خريج تربية أو فلسفة أو أى تخصص تانى غير مصرح له قانونًا بالعمل كإخصائى نفسى، وده مش بس مخالفة، ده تهديد حقيقى لحياة الناس النفسية والعقلية»، وأكدت أن الاحتيال لا يتوقف عند الأشخاص، بل يمتد لمراكز تدريبية تبيع الوهم وتزعم أنها تقدم دبلومات فى علم النفس بـ100 ألف جنيه أو أكثر، وتقنع الشباب أنهم كده مؤهلين يشتغلوا فى العلاج النفسى، كما تمنحهم كارنيهات مزاولة مهنة غير مُعترف بها، وده نصب يضرب القوانين واللوائح عرض الحائط.وتشير إلى أن المؤسسات المُعترف بها التى تقدم الدورات الخاصة للحصول على رخصة مزاولة مهنة الإخصائى النفسي، هي: الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، والجمعية المصرية للعلاج المعرفى السلوكي، وجمعية المعالجين النفسيين، ورابطة الإخصائيين النفسيين، ومركز البحوث والدراسات النفسية.
لا مجال للاجتهاد
من جانبه يؤكد د. محمد رمضان، أستاذ الطب النفسى بجامعة الأزهر، أن التعامل مع الاضطرابات النفسية لا يمكن أن يُترك للتجربة أو لاجتهادات غير المتخصصين، موضحًا أن هناك مسارين محددين ومُعترفًا بهما داخل منظومة الصحة النفسية: الأول هو الطبيب النفسى، وهو المختص الوحيد الذى يملك صلاحية التشخيص الطبى الدقيق ووصف الأدوية بناءً على تقييم يشمل: التحاليل الطبية والفحوصات اللازمة، والثانى هو الإخصائى النفسى الإكلينيكي، وهو خريج قسم علم النفس بكليات الآداب، حصل على دبلومة تخصصية فى العلاج الإكلينيكي، وخضع لتدريب إجبارى داخل مستشفى نفسى مُعتمد يؤهله لتقديم العلاج السلوكى أو الكلامي، دون أن يتجاوز حدود اختصاصه أو يمس الجانب الدوائى.
ويحذر د. رمضان من ظاهرة المدربين غير المُؤهلين الذين يقدمون أنفسهم للجمهور تحت مسمياتٍ مثل: «لايف كوتش» أو «مدرب تنمية بشرية».. ويضيف: أن كثيرًا من المرضى قد لا يكون لديهم وعى بأن ما يعانونه هو اضطراب نفسى فعلي، فيلجأون - بحسن نية - إلى أحد هؤلاء المدربين، الذين بدورهم يفتقرون إلى أى خلفية علمية، ويقدمون «نصائح سلوكية» قد تكون غير دقيقة أو غير مناسبة، بل وربما تؤدى إلى نتائج عكسية أو تفاقم للحالة، وهو ما يمثل تهديدًا حقيقيًا للصحة النفسية على مستوى واسع.
ويستطرد أستاذ الطب النفسى قائلاً: «إن الأمر يصبح أكثر خطورة حين لا يقف الأمر عند حدود مدرب تنمية بشرية، بل يصل إلى شخص يطلق على نفسه لقب «معالج نفسى»، ويمارس العلاج النفسى بكل أدواته دون أى تأهيل أكاديمى أو سريرى، بل وقد يُوصى المريض أحيانًا بأدوية أو طرق علاج لا يملك أى حق فى وصفها، معتبرًا ذلك «مهزلة مكتملة الأركان»، تمثل تعديًا صارخًا على مهنة طبية دقيقة، وتفتح الباب لنتائج كارثية، لا يتحمل وزرها إلا المريض وحده».
ومن هنا، يؤكد د. رمضان على أهمية التوعية المستمرة بخطورة هذا المسار، ويُشدد على أن الإعلام له دور حاسم فى توجيه المواطنين نحو الطريق الصحيح عند التعامل مع أى مشكلة نفسية، فالتوجيه الصحيح فى بدايات المعاناة قد يمنع انهياراتٍ كبرى لاحقًا، ويُنقذ حالاتٍ من التدهور، مشيرًا إلى أن المجتمع بات يتفاجأ بنتائج مأساوية لحالات بدأت أولى خطواتها فى أماكن غير مُؤهلة، وعلى يد أشخاص لا علاقة لهم بالعلم ولا بالمهنة، وكانت النتيجة أن تأخر التشخيص، وتعقّد العلاج، وتحولت معاناة مؤقتة إلى مأساة ممتدة.
العلاج الحر
ومن جانبها، تُوضح د. منن عبدالمقصود، أستاذ الطب النفسى بكلية الطب جامعة عين شمس أن خريجى كليات الآداب والعلوم الإنسانية ممن درسوا تخصص علم النفس الإكلينيكى مؤهلون للعمل كإخصائيين نفسيين، ولكن لا يُسمح لأى منهم بممارسة العلاج النفسى بشكل مستقل أو تحت مسمى «معالج نفسي» دون الحصول على ترخيص رسمى من وزارة الصحة والسكان.
وتُشير د. منن إلى أن قانون رعاية المريض النفسى يشترط حضور دوراتٍ تدريبية فى أكثر التشخيصات النفسية شيوعًا وانتشارًا، مثل: الاكتئاب، القلق، الإدمان، الوسواس القهري، واضطرابات الشخصية، إلى جانب دورة تُعد أساسية ولا غنى عنها تتعلق بأخلاقيات مهنة العلاج النفسي، لما تمثله من إطار أخلاقى وقانونى يحكم العلاقة بين المعالج والمريض.. وبخصوص الجهات المختصة بمنح الترخيص والإشراف على ممارسة المهنة، قالت: إن الإدارة المركزية للعلاج الحر هى المسئولة عن إصدار تراخيص العمل والتفتيش على المنشآت الصحية المختلفة للتأكد من التزامها بالقانون، أما المجلس القومى للصحة النفسية، فدوره يتمثل فى متابعة تنفيذ قانون رعاية المريض النفسى داخل جميع المنشآت التى تمارس الطب النفسى أو العلاج النفسي، بما فيها مستشفيات الصحة النفسية ومراكز علاج الإدمان.
مراكز مُعتمدة
وعند سؤالها عن المراكز المُعتمدة للتدريب، تؤكد أن الأمر محكوم بالقانون أيضًا، والمراكز المُعتمدة هى المستشفيات النفسية المُرخصة من الإدارة المركزية للعلاج الحر والمجلس القومى للصحة النفسية، والتى يعمل بها أساتذة أو استشاريون أو إخصائيون فى تخصص الطب النفسي، وتحتوى على عددٍ من الأسرّة لعلاج المرضى، كما ينص عليه القانون.
وعن الطريقة الإدارية السليمة التى يجب اتباعها لممارسة مهنة «المعالج النفسي»، تُشدد على أن هذا الدور لا يُمارَس بشكل منعزل، بل داخل مستشفى أو عيادة أو مركز طبى مُرخص وتحت إشراف الطبيب النفسى المسئول عن الخطة العلاجية.. وفيما يتعلق بما يُعرف إعلاميًا بـ«مراكز التدريب الوهمية» التى تمنح شهاداتٍ وكارنيهات مزيفة بدعوى الاعتماد، أكدت د. منن أن الجهة الوحيدة المنوطة بالاعتماد والترخيص هى وزارة الصحة، وأن أى شهاداتٍ أو كارنيهات من جهات غير رسمية لا قيمة لها قانونيًا، ولا تمنح حاملها الحق فى ممارسة العلاج النفسى أو التعامل مع المرضى.
غير مختصين
وفى سؤال حول ظاهرة «الثيرابيست» و«اللايف كوتش» و«مدربى التنمية البشرية» المنتشرين على وسائل التواصل الاجتماعى، أكدت أن الوجه الإيجابى لهذه الظاهرة هو زيادة الوعى المجتمعى بالصحة النفسية، والذى يُعد ثمرة لجهود حملات التوعية المتواصلة على مدار سنوات طويلة، لكنها حذرت فى الوقت ذاته من أن الخطورة تكمن فى أن كثيرًا من الأفراد لا يعرفون أين أو كيف يبحثون عن المساعدة الصحيحة، فيلجأون لأشخاصٍ غير مختصين بناءً على توصيات من معارف أو بسبب الإعلانات المدفوعة على السوشيال ميديا، والتى لا تخضع لأى تدقيق أو مراجعة قانونية.

اكتشاف يعيد تفسير أسرار خلية النحل
د. هيثم شعبان: «العمر المناعى» مقياس صحة الإنسان وليس تاريخ الميلاد
خزعبلات التغذية العلاجية «مرفوضة»








