فى الوقت الذى يبحث فيه كثير من الفنانين عن مساحات واسعة للتعبير عن إبداعهم، اختار الفنان المغربى فؤاد كبدانى - 34 عاما - أن يصنع عالمه الفنى بحبات الأرز والسكر وداخل عين الإبرة، مقدما أعمالا متناهية الصغر تحتاج إلى تركيز وصبر استثنائيين.
درس فؤاد الطيران ويعمل مدرب سباحة محترفا، لكن علاقته بالفن بدأت منذ الطفولة، يقول: «كنت أرسم وأبدع منذ المرحلة الابتدائية، وحظيت بدعم كبير من عائلتى ومعلمى، خاصة والدتى التى كانت السند الأكبر فى رحلتى الفنية، كنت دائما أميل إلى الفنون المعقدة والنادرة، لذلك وجدت بغيتى فى هذا الفن المجال الذى يعبر عن شخصيتى ويمنحنى فرصة لتحويل أفكار كبيرة إلى أعمال متناهية الصغر، وعام 2016 قررت خوض تجربة مختلفة قادتنى إلى عالم المصغرات».
بدأت رحلته بالرسم والنحت على خامات غير تقليدية مثل حبات الأرز والعدس والسكر وأعواد الثقاب، قبل أن يصل إلى تنفيذ كتابات دقيقة على مساحات لا تتجاوز 100 ميكرون، وكان أول أعماله البارزة عام 2017 مجسما منحوتا على سن قلم رصاص يجسد يدا تحمل شهادة.. ويشير إلى أن إنجاز العمل الواحد قد يستغرق من 20 إلى 80 ساعة أو أكثر بحسب مستوى التفاصيل، لافتا إلى أنه يصنع بعض أدواته بنفسه لعدم توافر أدوات مناسبة لهذا النوع من الفن، كما يستخدم شعيرات دقيقة للغاية فى التلوين إلى جانب عدسات تكبير وإضاءة خاصة تساعده على رؤية أدق التفاصيل، ويوضح أنه غالبا لا يجد أدوات مصممة خصيصا لهذا النوع من الفن، لذلك يبتكرها بنفسه، ففى الرسم الميليمترى يستخدم فرشا فائقة الدقة، وبعضها يصنعه من شعيرات مأخوذة من مناطق مختلفة من جسده مثل الرموش والشارب والساعد، نظرا لاختلاف سماكة الشعيرات، أما فى النحت، فيعتمد على سكاكين الورق بعد تعديلها لتناسب حجم التفاصيل المطلوبة، كما يستخدم معدات تكبير مزودة بعدسات تقريب متعددة الدرجات، بينما تشكل الإضاءة عنصرا أساسيا لا يقل أهمية عن الأدوات نفسها.
وعن التحديات التى تواجهه، يوضح فؤاد: «أى حركة بسيطة قد تتسبب فى إتلاف العمل بالكامل، لأن هامش الخطأ فى هذا الفن يكاد يكون معدوما، ورغم تعرض بعض أعمالى للكسر أو التلف بعد ساعات طويلة من التنفيذ، إلا أننى أعود للعمل من جديد، فقد علمنى هذا الفن الصبر بقدر ما علمنى الدقة».. ولا يقتصر إبداعه على الأرز والسكر، بل يمتد إلى البقوليات والفواكه الجافة ونوى الأفوكادو وبذور البطيخ والأحجار والعظام، كما ينفذ أعمالا داخل عين الإبرة باستخدام خامات دقيقة مثل النايلون والبلاستيك والريزن.
ومن أشهر أعماله لوحة «العشاء الأخير» داخل عين إبرة، والتى جاءت بعد نجاح نسخة سابقة نفذها على حبة كاجو، كما يعتز بإنجازات أخرى منها كتابة أسماء الله الحسنى على حبة أرز واحدة، وسورة الفتح على حبة عدس لا يتجاوز حجمها 1 ملم، وصناعة خاتم زفاف من الذهب بحجم 1 ملم، كما حقق رقما قياسيا عالميا فى نحت الحروف الأبجدية على سن قلم ميكانيكى بقطر 0.3 ملم، ثم طور هذه التقنية لاحقا ليتمكن من كتابة الحروف نفسها على شعرة بيضاء من شاربه بحجم لا يتجاوز 95 ميكرون، ونحت مجسم رضيع على حبة أرز.. ويختتم فؤاد حديثه مؤكدا: «لا يشغلنى تحقيق الأرقام القياسية بقدر ما يشغلنى الاستمرار فى تطوير نفسى وتقديم أعمال أكثر دقة وابتكارا، فكل عمل جديد يمثل بالنسبة لى تحديا جديدا وفرصة لتجاوز حدودى السابقة».
أحبار جديدة من الكولاجين البحرى
«الأوستراكا».. دفتر مذكرات الفراعنة
ساحة معارك مائية احتفالا بالصيف..








