الضحية يكشف القتلة .. نهاية مأساوية لـ «الصعيدى» على يد صديقيه

الضحية
الضحية


الغربية‭: ‬ماجدة‭ ‬شلبى

في قرية تلبنت قيصر التابعة لمركز طنطا حيث يعرف الناس بعضهم بالاسم والوجه والصوت وحيث تُفتح الأبواب والقلوب للجيران والأصدقاء؛ تحولت ليلة حزينة إلى واحدة من أكثر الليالي قسوة في ذاكرة الأهالي بعدما استفاق الجميع على جريمة هزت القرية وأغرقتها في حالة من الصدمة والبكاء.

لم يكن أحد يتخيل أن الشاب الهادئ أحمد صبري الصعيدي المعروف بين أبناء القرية بحسن الخلق والطيبة والجدعنة سينتهي به الحال غارقًا في دمائه بين المقابر بعدما استدرجه شخصان كان يعتبرهما أقرب الناس إليه وجلسا يومًا على مائدته وناما داخل منزله وتقاسما معه العيش والملح قبل أن تتحول الصداقة إلى خيانة دامية.

الجريمة التي وقعت وسط المقابر وبالقرب من الأراضي الزراعية لم تكن مجرد واقعة قتل بسبب خلاف مالي بل كانت مأساة إنسانية كاملة بطلها شاب فتح بيته وقلبه لأصدقاء اعتبرهم إخوة فكانت النهاية ثلاث طعنات نافذة أنهت حياته وتركت أسرته تواجه وجعًا لن يشفى بسهولة.

داخل منزل الأسرة البسيط خيم الحزن على كل شيء الوجوه شاحبة والدموع لا تتوقف وصوت القرآن يتردد في الخلفية بينما جلس والد الضحية عاجزًا عن استيعاب ما حدث لابنه الذي خرج من البيت ولم يعد إليه حيًا.

قال الأب بصوت متقطع من شدة الانهيار: «أحمد ابني كان طيب زيادة عن اللزوم عمره ما شاف حد محتاج إلا وساعده حتى الناس اللي ما تستحقش كان يقف جنبها أنا حذرته منهم كتير جدًا كنت بقوله ابعد عنهم أخلاقهم مش عاجباني لكنه كان دايمًا يدافع عنهم ويقول دول أصحابي وإخواتي الاتنين دول كانوا تقريبًا عايشين معانا في البيت، ابني فاتحلهم بيته وأوضته وأكله وشربه كانوا يقعدوا بالأيام عندنا وعمره ما ضايق منهم كان بيصرف عليهم أوقات ويسلفهم فلوس ويحل مشاكلهم وفي الآخر قتلوه».

لم يكن الوجع الأكبر بالنسبة للأب هو فقدان نجله فقط بل الطريقة التي انتهت بها حياته وعلى يد من وثق بهم ومنحهم الأمان الذي كسر قلبه إنهم أكلوا عيش وملح معاه، يقول بأسى:»ابني ماكنش يتخيل إنهم ممكن يأذوه كان فاكرهم إخواته بجد».

بداية الخلاف

وبحسب رواية الأسرة بدأت الخلافات بين أحمد والمتهمين بعد أن طالبهم برد أموال سبق أن أقرضها لهما وهو ما تسبب في توتر العلاقة خلال الفترة الأخيرة قبل أن يستدرجاه إلى منطقة المقابر والأراضي الزراعية بحجة الحديث وإنهاء الخلاف.

أما والدة الضحية فكانت أكثر من جسدها الألم جلست على الأرض تحتضن صورة ابنها وتبكي بحرقة بينما تردد كلمات تقطع القلب.

قالت الأم وسط نحيب متواصل: «كنت بأكلهم بإيدي والله كنت بعاملهم زي ولادي علشان أصحاب أحمد وكانوا داخلين خارجين علينا طول الوقت عمري ما شكيت فيهم أبدًا»، وتابعت وهي تمسح دموعها: «لما كانوا يدخلوا البيت كنت أفرح علشان ابني كان بيحبهم جدًا وكان يقوللي دول إخواتي يا أمي. مكنتش أعرف إنهم هيغدروا بيه بالشكل ده».

ثم انفجرت بالبكاء وهي تروي اللحظات الأخيرة في حياة ابنها: «ابني سلفهم فلوس ولما طلب حقه خدوه على المقابر وهناك طعنوه وسابوه ينزف لوحده لكن ربنا كان مديه عمر علشان يقول مين اللي عمل فيه كده المزارعين سمعوا صوته وهو بيتوجع وسط المقابر ولما راحوا له كان لسه عايش بالعافية قالهم أسماء اللي طعنوه وبعدها مات كأنه كان مستني يقول الحقيقة قبل ما يروح».

الكلمات داخل المنزل كانت ثقيلة حتى الصمت نفسه بدا موجوعًا. كل ركن في البيت يحمل ذكرى للشاب الراحل، ملابسه، هاتفه، صورته المعلقة على الحائط وضحكاته التي كانت تملأ المكان قبل أيام قليلة فقط.

في إحدى الزوايا جلست شقيقته تحتضن صورته وكأنها ترفض تصديق الحقيقة.

قالت وهي تبكي: «أحمد كان سندي وضهري عمره ما زعلني يوم أي حاجة أحتاجها كان يعملها قبل حتى ما أطلب، البيت بعده بقى ضلمة كان بيحب الناس كلها ومفيش حد في البلد يقدر يقول عليه كلمة وحشة اللي حصل ده كسرنا كلنا».

أما خالته فكانت تتحدث عنه وكأنه ما زال حيًا أمامها.

قالت: «وشه عمره ما فارقه الضحكة كان أول واحد يسلم عليّا لو دخلت البيت وأول واحد يعرض المساعدة على أي حد، أحمد كان قلبه نضيف أوي حتى لو هو محتاج كان يساعد غير. كان شايل الكل على كتفه ومحدش كان يتخيل نهايته تكون بالشكل ده».

ابن خاله الذي كان من أقرب أصدقائه بدا عاجزًا عن استيعاب ما جرى.

قال بصوت مختنق: «إحنا لحد دلوقتي مش مصدقين أحمد كان من أجدع الناس، محترم جدًا ومش بتاع مشاكل فكرة إن اتنين أصحاب ليه يعملوا فيه كده صعبة جدًا علينا الغدر أصعب من الموت لأن اللي قتلوه ماكانوش أعداء دول ناس كان بيعتبرهم إخواته».

ضبط المتهمين

ووفقًا للتحريات الأولية فإن الواقعة بدأت بسبب خلافات مالية بين المجني عليه والمتهمين، بعدما طالبهما برد مبلغ مالي كان قد أقرضه لهما منذ فترة.

وكشفت التحريات؛ أن المتهمين استدرجا المجني عليه إلى محيط المقابر والأراضي الزراعية بقرية تلبنت قيصر مركز طنطا بزعم الحديث معه وإنهاء الخلاف قبل أن يعتديا عليه باستخدام سلاح أبيض (مطواة) ويوجهان له ثلاث طعنات نافذة.

ورغم إصاباته الخطيرة قاوم أحمد الموت لساعات كان ينزف وحيدًا وسط المقابر بينما يحاول التمسك بالحياة بأي طريقة حتى سمع بعض المزارعين صوت استغاثته فتوجهوا إليه سريعًا ليجدوه في حالة خطيرة.

ويروي أحد الأهالي أن الشاب كان بالكاد قادرًا على الكلام لكنه أصر على ذكر أسماء من اعتدوا عليه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

وقال أحد سكان المزارعين أحد شهود العيان وأول من اكتشف الواقعة: «الولد كان بين الحياة والموت لكن ربنا خلاه ينطق الحقيقة قبل ما يروح».

وعقب تلقي البلاغ انتقلت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الغربية إلى مكان الواقعة وتشكل فريق بحث لكشف ملابسات الجريمة.

ونجحت وحدة مباحث مركز طنطا بقيادة الرائد محمد العسال رئيس مباحث مركز طنطا في وقت قياسي في تحديد هوية المتهمين وضبطهما إلى جانب السلاح المستخدم في الواقعة وتم اقتيادهما إلى ديوان المركز لاتخاذ الإجراءات القانونية.

كما نقل جثمان المجني عليه إلى مشرحة مستشفى طنطا العام تحت تصرف النيابة العامة التي باشرت التحقيقات التي صرحت بدفن الجثمان وحبس المتهمين وقررت اتخاذ الإجراءات القانونية حيال الواقعة.

الجريمة ألقت بظلال ثقيلة على أهالي القرية الذين خرجوا في جنازة مهيبة لتشييع جثمان الشاب الراحل وسط حالة من الانهيار والبكاء.

المئات ساروا خلف الجثمان بينما كانت كلمات الحزن تتردد في كل مكان. البعض لم يكن يصدق أن الشاب الذي اعتادوا رؤيته يضحك ويساعد الجميع عاد إليهم جثمانًا.

وقال أحد أعمام المجني عليه: «البلد كلها زعلانه عليه، أحمد كان معروف بالاحترام والجدعنة ومحدش كان يتوقع نهايته تبقى بالشكل ده، أصعب حاجة إن اللي عملوا فيه كده كانوا داخلين بيته كل يوم، وأهله كانوا بيعاملوهم كأنهم من العيلة».

ومع انتهاء مراسم الدفن بقيت كلمات والدته تتردد داخل القرية وكأنها تختصر الحكاية كلها: «ابني ماكنش خايف منهم لأنه كان فاكرهم أصحاب».

جملة بسيطة لكنها حملت داخلها كل تفاصيل المأساة ثقة تحولت إلى خيانة وصداقة انتهت فوق أرض المقابر وشاب دفع حياته ثمنًا لقلبه الطيب.

رحل أحمد صبري الصعيدي لكن قصته بقيت جرحًا مفتوحًا داخل قلوب أسرته وأهالي قريته وشاهدًا مؤلمًا على أن بعض الطعنات لا تأتي من الغرباء بل من أقرب الناس إلى القلب.

اقرأ  أيضا: إحالة عاطل بتهمة قتل طالب بسبب خلافات بينهما في مدينة نصر للمحاكمة

;