تغطية: شهاب طارق
نظمت دار الشروق الإثنين الماضى ندوة لمناقشة كتابى «فالتر بنيامين.. بين وهم العلمانية والعقل الدنيوى» من تأليف عاطف بطرس العطار، والكتاب الآخر الذى يضم مختارات من مقالات بنيامين ترجمة العطار، وآخرين بمبنى قنصلية بوسط البلد، وأدارتها الكاتبة مى التلمسانى.
لم تكتف الندوة بتأريخ حياة الفيلسوف الألمانى فالتر بنيامين، بل كانت فرصة للحديث عن أزمات الثقافة فى العالم العربى، حيث أكدت مى التلمسانى أن دراسة الأدب لا يمكن عزلها عن الفلسفة، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، وتاريخ الأديان. تقول: هذا التداخل الفكرى هو ما يؤسس لحقل الأدب المقارن، والذى يتجاوز مفهوم النقد الشائع الموجود الآن على وسائل التواصل الاجتماعى، لأنه مبنى على أسس وقواعد علمية صارمة.
وعن دوافعه لتأليف الكتاب قال عاطف بطرس إن رغبته فى خوض التجربة التى امتدت لسنوات لم تكن سهلة وجاءت بسبب شعوره بالغضب والاستياء تجاه ما وصفه بـ«الطامة المعرفية والعشوائية»، بالنسبة لمجال الترجمة والكتابات النقدية العربية. راصداً مظاهر العشوائية فى صدور ترجمات عربية تدَّعى التخصص دون الإشارة حتى إلى المصدر الأصلى أو اللغة الوسيطة التى نُقل عنها، وكذلك استسهال الترجمة عن لغات وسيطة كالإنجليزية والفرنسية عوضاً عن النص الألمانى المباشر، فضلاً عن ظهور سرقات مقنَّعة تعتمد على إعادة صياغة أسلوب ترجمات عربية سابقة وتقديمها كمنتج جديد. وهو ما دفع بطرس لتأسيس ورشة عمل فى برلين عام 2017 ضمَّت نخبة من المترجمين والمتخصصين مثل أحمد فاروق، رشيد بوطيب، فتحى إنقزو، هيثم الوردانى، وهبة شريف، للنظر فى إرث فالتر بنيامين والبدء فى عملية ترجمة جماعية.
معاناة فالتر بنيامين
وأشار بطرس إلى نظرية «تعذر الترجمة» فى الأدب المقارن، موضحا أن الترجمة ليست مجرد وسيط لنقل المعنى البسيط، بل إن الصدام مع النص والتلعثم وعدم القدرة على إنتاج المعنى بنفس القالب الأصلى، يفتح نقاشاً فلسفياً جوهريا يسهم فى تأسيس وضبط المفاهيم وتفكيك حواجزها، وضرب مثالاً بنقاش المترجمين حول مصطلح وكيف استقر فى المشرق والمغرب على لفظ «الوضعية». ثم انتقل للحديث عن طبيعة نصوص فالتر بنيامين، مشيرا إلى أن لغته الألمانية صعبة وذات جمل طويلة وتركيبات متداخلة. وكشف عن مفارقة تاريخية تمثلت فى رفض جامعة فرانكفورت لرسالة الأستاذية التى قدمها بنيامين عام 1925 والتى كانت حول التراجيديا، وبرر الأساتذة وقتها أنهم لم يفهموا شيئاً، فكيف سيشرحون للطلاب ما يكتبه بنيامين؟
ويضيف: هذا الرفض أنهى حياة بنيامين الأكاديمية مبكراً، إلا أنه منحه الحرية للكتابة والتشتت المثمر فى مجالات أوسع. واستعرض بطرس مأساة بنيامين الإنسانية، إذ عاش لاجئاً لسبع سنوات فى باريس، يقتصد فى تذكرة الترام للذهاب للمكتبة الوطنية، معتمداً على إعانات مالية يجمعها له أصدقاؤه من أصحاب «المدرسة النقدية» مثل أدورنو وهوركهايمر الذين هربوا إلى أمريكا. إذ انتهى به المطاف إلى الانتحار فى قرية «بورت بو» الحدودية بعد تجربة اعتقال صعبة، وخوفاً من السقوط فى يد النازية التى قتلت شقيقه الطبيب لاحقاً عام 1942.
الانحياز لتاريخ المقهورين
وتساءلت مى التلمسانى عن سر راهنية بنيامين ولماذا يمسنا اليوم؟ وأجاب بطرس أن الحراك الثورى العربى منذ 2011 فجَّر اهتماماً فجائياً واستثنائياً ببنيامين فى الأوساط الفكرية العربية، ومنها مؤتمر رام الله عام 2015 الذى شكَّل فعلاً سياسياً مضاداً لمؤتمر تل أبيب. وتظهر هذه الراهنية فى تفكيك بنيامين لمفهومين يقع العالم العربى فى قلبهما اليوم، الأول هو الانحياز لتاريخ المقهورين ضد المنتصرين، حيث يرفض بنيامين المفهوم الخطى لـ«التقدم». وأوضحت التلمسانى أن هذا الطرح يتقاطع مباشرة مع المشهد العربى وما شهده من هزيمة شاملة ومأساة ممتدة على مدار الـ15 عاماً الماضية، إذ ينحاز بنيامين لتاريخ المهمشين والمستبعدين فى مواجهة التاريخ الرسمى الذى يكتبه المنتصرون دائمًا.
أما المفهوم الثانى فهو يتناول وهم العلمانية واستبدال المعابد، وأوضح بطرس أن العنوان جاء مستفزاً بشكل متعمد ليوضح فكرة بنيامين، والتى طورها أجامبين لاحقاً، ومفادها أن عصر التنوير الأوروبى لم يتخلص من بنية الأسطورة أو المقدس المكبل، بل أزاح الدين التقليدى ليضع مكانه منظومات بديلة كالرأسمالية والدولة القومية تمتلك نفس بنية السلطة والاستغلال الفوقى. إذ وظفت الدولة العلمانية نفس المنظومة، وتحولت فكرة المعجزة فى الدين إلى حالة الاستثناء والطوارئ وتعطيل الدستور وجعلها فى يد السلطة السياسية. فالأنظمة الحاكمة تفتعل أو تستغل الكوارث، مثل حادثة حريق البرلمان الألمانى التى استغلها هتلر لإعلان الطوارئ، وهو ما يمنح الدولة ترخيصاً قانونياً بالقتل والعنف والاعتقال. ومن جهة أخرى، استبدلت الرأسمالية فكرة الذنب والتكفير الفطرى بنظام الديون والقروض التى تجعل الإنسان مديناً طوال حياته ومجبراً على العمل الشاق، وحلت طقوس وشعائر الاستهلاك كبديل مباشر لطقوس العبادة الدينية القديمة.
وتوقفت مى التلمسانى عند نقطة الانتقال من «وهم العلمانية» إلى «العقل الدنيوى»، والتى ناقشها عاطف فى كتابه متسائلة عن سر الاستخدام المكثف للمصطلحات اللاهوتية والدينية فى نصوص بنيامين الفلسفية والسياسية. وأوضح عاطف بطرس أن هذا اللبس الفكرى كان دافعاً أساسياً له لتبنى مدخل النقد الراديكالى لتفكيك الظاهرة. وأشار إلى أن بنيامين افتتح نصوصه حول فلسفة التاريخ بأمثولة أو أمثال شعبية شهيرة جداً، وهى «أمثولة الدمية» والشذرات. وفسر بطرس التوجه البنيامينى فى الجزء الثانى من كتابه مستعرضاً أبعاد تفكيك اللغة اللاهوتية، مشيرا إلى أن بنيامين لم يطرح فكراً دينياً غيبياً، بل قام بعملية دمج للغة المتصوفة والباطنية داخل الفلسفة السياسية كأداة لضرب وتفكيك المفاهيم السائدة. فبنيامين استخدم لغة اللاهوت كمحرك مستتر داخل بنيته الفكرية ليؤكد أن العلمانية والدولة الحديثة لم تتخلصا من الدين، بل استبطنتا آلياته وسلطته. هذا المزج جعل كتابة بنيامين تتسم بغموض وسر باطنى، يدفع القارئ لإعادة القراءة مراراً للوصول إلى جوهر الفكرة الفلسفية وتأسيس المفاهيم.
وذكرت التلمسانى أن وعى بنيامين بالتفتت انعكس على أسلوبه المعرفى القائم على كتابة الشذرات والفقرات القصيرة. وأكد بطرس أن فلسفته لم تكن متعالية أو تجريدية فوقية كالمثالية الألمانية، بل انطلقت من تفاصيل الشوارع والممرات والمادة المحسوسة. كما كشف أيضا عن هوس بنيامين بالأرشيف والجمع، إذ ترك خلفه ما يقرب من 12 ألف مصنف مكتوب بخط يدوى. «يعد مشروع الممرات (أكثر من 1000 صفحة) خير دليل على ذلك، إذ لم يكتبه ككتاب تقليدى، بل كورشة عمل مفتوحة وغير منتهية تعتمد على الكولاج والاقتباسات والأفكار المتناثرة. ورغم لغته الشاعرية والباطنية المتصوفة، إلا أنه كتب بغزارة للراديو أيضاً.
وفى ختام الندوة، شدد بطرس على أهمية القيمة العلمية للكتاب الجديد، قائلا إن ألمانيا تشهد حالياً مشروعاً ضخماً تقوده دار «سوركامب» لإعادة نشر أعمال بنيامين كاملة فى نسختها النقدية المحققة والمقرر اكتمالها عام 2027 فى 22 مجلداً. كما انتقد بطرس استمرار بعض الأكاديميين العرب فى الترجمة عن نسخة «هارى زون» الإنجليزية الصادرة عام 1968 بمقدمة حنة آرنت، موضحاً أنها نسخة رديئة ومترجمة عن أصل ألمانى غير محقق تلاعب فيه أدورنو بالحذف وتغيير العناوين. لذلك المشروع الذى تتبناه دار «سوركامب» ليصحح المسار ويسد الفجوة المعرفية بتقديم ترجمة عربية منضبطة ومباشرة عن النصوص الألمانية الحديثة.
سميحة أيوب .. إبداع صنع سيدة المسرح العربى
«فتاة المترو» يقترب من افتتاح المهرجان القومى للمسرح
الأبواب مغلقة .. لماذا تراجعت فرص العمل أمام صناع الأغانى؟







