فى لحظة تبدو فيها المنطقة بأسرها أمام تحولات متسارعة، جاء إعلان زعيم التيار الصدرى مقتدى الصدر انفكاك «سرايا السلام» عن التيار وإلحاقها بالمؤسسات الأمنية الرسمية ليعيد فتح واحد من أكثر الملفات تعقيدًا فى العراق، وهو ملف السلاح خارج إطار الدولة.
فالقرار لم يُنظر إليه باعتباره مجرد خطوة تنظيمية تخص التيار الصدرى، بل باعتباره تطورًا قد تكون له تداعيات أوسع على مستقبل الفصائل المسلحة وعلى شكل التوازنات السياسية والأمنية فى البلاد.
وتكتسب الخطوة أهميتها من كون «سرايا السلام» إحدى أبرز التشكيلات المسلحة الشيعية التى لعبت دورًا مهمًا خلال الحرب على تنظيم داعش، كما أنها تمثل الذراع العسكرية لأحد أكبر التيارات السياسية والشعبية فى العراق. ولذلك فإن قرار الصدر التخلى عن هذا الإطار العسكرى يطرح تساؤلات تتجاوز حدود السرايا نفسها إلى مستقبل العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة بصورة عامة.
وقد رحبت الحكومة العراقية بالقرار باعتباره خطوة فى الاتجاه الصحيح نحو تعزيز سلطة الدولة، فيما اعتبره مراقبون مؤشرًا على إمكانية فتح نقاش أكثر جدية حول حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.. لكن أهمية الخطوة لا تكمن فقط فى بعدها الأمنى، وإنما أيضًا فى توقيتها السياسى. فبعض المراقبين يرون أن الصدر ربما يكون قد قرأ مبكرًا التحولات الإقليمية الجارية فى الشرق الأوسط، حيث تتزايد الضغوط على الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة فى أكثر من ساحة. ومن هذا المنطلق قد يكون الرجل اختار الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على تعزيز حضوره السياسى والشعبى بعيدًا عن الأعباء التى قد يفرضها الاحتفاظ بجناح عسكرى فى بيئة إقليمية تتجه نحو إعادة ترتيب موازين القوى وأدوار الفاعلين المسلحين.
ويطرح ذلك سؤالًا محوريًا: هل تسهل هذه الخطوة مهمة نزع سلاح بقية الفصائل؟
من الناحية السياسية تبدو الإجابة أقرب إلى نعم. فقرار الصدر يمنح الحكومة العراقية سابقة مهمة يمكن الاستناد إليها فى أى حوار مستقبلى مع الفصائل الأخرى.. كما أنه يسحب من بعض القوى المسلحة حجة استحالة الدمج أو صعوبة التخلى عن الأجنحة العسكرية، بعدما أقدم أحد أكبر الفاعلين الشيعة على هذه الخطوة بصورة طوعية.
غير أن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. فالفصائل العراقية ليست كتلة واحدة، ولا تتحرك جميعها وفق الحسابات نفسها فـ «سرايا السلام» ترتبط بمرجعية سياسية عراقية واضحة تتمثل فى التيار الصدرى، بينما تمتلك بعض الفصائل الأخرى امتدادات عقائدية وإقليمية تجعل قرارها مرتبطًا بحسابات تتجاوز الساحة العراقية. ولهذا فإن ما يبدو ممكنًا بالنسبة للصدر قد لا يكون بالسهولة نفسها بالنسبة لقوى تعتبر سلاحها جزءًا من معادلات إقليمية أوسع.
كما أن ملف السلاح فى العراق لا يمكن فصله عن التوترات الإقليمية المحيطة.. فالعراق يمثل إحدى الساحات التى تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وإيران، كما تتأثر أوضاعه الأمنية بتداعيات الصراع الدائر بين إسرائيل ومحور المقاومة فى المنطقة..
ومن هنا تبدو الضغوط الأمريكية جزءًا من المشهد، لكنها ليست العامل الوحيد فيه. فواشنطن تنظر إلى حصر السلاح بيد الدولة باعتباره شرطًا أساسيًا لتعزيز استقرار العراق وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة، بينما ترى أطراف أخرى أن الإبقاء على بعض هذه الفصائل يشكل عنصر قوة فى مواجهة التهديدات الإقليمية. وبين هذين الاتجاهين تجد بغداد نفسها مطالبة بإيجاد صيغة توازن بين متطلبات السيادة الداخلية وتعقيدات البيئة الإقليمية.
ويبرز هنا تحدٍ آخر لا يقل أهمية، وهو موقف الفصائل الأخرى من الدعوات إلى الاندماج أو نزع السلاح. فإذا استجابت بعض الفصائل لهذه الدعوات ورفضتها أخرى، فقد ينشأ وضع أمنى جديد تكون فيه بعض القوى المسلحة خاضعة بالكامل للدولة فيما تحتفظ قوى أخرى باستقلالية عسكرية نسبية. وفى هذه الحالة قد يتحول الملف من أزمة واحدة إلى مجموعة أزمات متوازية أكثر تعقيدًا.
كما أن نجاح التجربة الصدرية نفسها سيشكل عاملًا حاسمًا فى تحديد مستقبل هذا المسار. فإذا تمكنت الدولة من استيعاب عناصر «سرايا السلام» ضمن المؤسسات الرسمية بصورة سلسة، مع الحفاظ على الاستقرار الأمنى وعدم خلق فراغات ميدانية، فإن ذلك سيقدم نموذجًا عمليًا يمكن البناء عليه لاحقًا. أما إذا واجهت العملية تعثرات أو مشكلات تنظيمية، فقد تستخدمها الفصائل الرافضة كدليل على صعوبة تطبيق مشاريع الدمج الشامل.
وفى خلفية هذه التطورات يبرز سؤال أوسع يتعلق بمستقبل المنطقة نفسها. فبعد الحرب الأخيرة فى لبنان وما رافقها من نقاشات حول مستقبل السلاح غير الرسمى، وبعد الضغوط المتزايدة على الجماعات المسلحة فى أكثر من ساحة، يثار تساؤل حول ما إذا كان العراق يتجه ليكون أول ساحة تشهد انتقالًا تدريجيًا من منطق الفصائل المسلحة إلى منطق الدولة المركزية.
ورغم أن الظروف العراقية تختلف عن تجارب أخرى فى المنطقة، فإن المؤشرات الحالية تعكس وجود نقاش متصاعد حول شكل الدولة ودورها وحدود القوة المسلحة خارج مؤسساتها.
وربما يكون السؤال الأهم فى المرحلة المقبلة هو ما إذا كان الهدف الحقيقى يتمثل فى نزع السلاح بالكامل أم فى إعادة تنظيمه. فالتحدى الأساسى لا يكمن فى وجود السلاح بحد ذاته، وإنما فى تعدد الجهات التى تمتلك قرار استخدامه. ومن هذا المنطلق قد يكون نجاح الحكومة فى بناء منظومة أمنية موحدة تخضع لقيادة مركزية أكثر أهمية من مجرد جمع الأسلحة أو حل التشكيلات المسلحة.
يمثل قرار مقتدى الصدر نقطة تحول مهمة فى النقاش العراقى حول السلاح خارج الدولة، كما يمنح الحكومة فرصة سياسية نادرة للدفع باتجاه مشروع حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية. لكن هذه الخطوة، على أهميتها، لا تعنى أن الطريق أصبح ممهدًا بالكامل. فنجاح هذا المسار سيظل مرهونًا بقدرة بغداد على التعامل مع تعقيدات الداخل العراقى وتشابكات الإقليم فى آن واحد.
عدوان على سماء الخليج| إيران تستهدف الكويت والبحرين بـ7صواريخ بعد إسقاط مسيراتها
غارات دامية وانتقادات غير مسبوقة لحزب الله وطهران
يديعوت أحرونوت: تل أبيب تخسر الدعم حتى بين الحلفاء







