بعد مرور 10 سنوات على استفتاء خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، الذى جرى فى عام 2016، لا يزال «بريكست» يمثل أحد أكثر التحولات السياسية والاقتصادية إثارة للجدل فى التاريخ البريطانى الحديث.
وفى حين اعتبر مؤيدو الخروج أن القرار يمثل استعادة كاملة للسيادة الوطنية والقدرة على التحكم فى القوانين والحدود والهجرة، يرى منتقدوه أن بريطانيا دفعت ثمنًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا مقابل تلك المكاسب، وأنها لم تتحرر من القيود بقدر ما انتقلت إلى مجموعة جديدة من التحديات التى فرضها موقعها خارج أكبر سوق موحدة فى العالم.
كان الشعار الأساسى لحملة الخروج هو «استعادة السيطرة»، وهو شعار ركز على ثلاثة محاور رئيسية: استعادة سلطة البرلمان البريطانى فى التشريع بعيدًا عن قوانين الاتحاد الأوروبي، واستعادة السيطرة على الحدود وسياسات الهجرة، والتحرر من مساهمات بريطانيا المالية فى ميزانية الاتحاد الأوروبي.
وتعد سياسة الهجرة من أبرز المجالات التى تغيرت بعد بريكست، فقد أنهت الحكومة البريطانية مبدأ حرية تنقل المواطنين الأوروبيين، واستبدلته بنظام هجرة قائم على النقاط يساوى بين الأوروبيين وغير الأوروبيين وفقًا لمعايير المهارات والرواتب والمؤهلات.
لكن الجانب الاقتصادى ظل الأكثر إثارة للنقاش خلال السنوات العشر الماضية، فقد خرجت بريطانيا من السوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي، مما أعاد فرض إجراءات جمركية وفحوص تنظيمية ووثائق إضافية على التجارة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.
ورغم توقيع اتفاق التجارة والتعاون بين الجانبين فى نهاية عام 2020، فإن هذا الاتفاق لم يلغِ الحواجز غير الجمركية التى أصبحت تمثل عبئًا كبيرًا على الشركات البريطانية، خاصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التى كانت تعتمد على سهولة الوصول إلى الأسواق الأوروبية قبل بريكست.
وتشير دراسات متعددة صادرة عن مؤسسات اقتصادية بريطانية ودولية إلى أن التجارة البريطانية مع الاتحاد الأوروبى شهدت تراجعًا مقارنة بما كان يمكن أن تكون عليه لو بقيت المملكة المتحدة داخل الاتحاد.
ورغم نجاح بريطانيا فى الحفاظ على مكانة لندن كمركز مالى عالمى إلى حد كبير، فإن بعض الأنشطة المالية انتقلت بالفعل إلى مدن أوروبية مثل: باريس وفرانكفورت وأمستردام.
ومن جهة أخرى، يرى أنصار بريكست أن تقييم التجربة يجب ألا يقتصر على المؤشرات الاقتصادية قصيرة ومتوسطة الأجل، بل ينبغى النظر إلى المكاسب الاستراتيجية طويلة المدى، ويشير هؤلاء إلى أن بريطانيا أصبحت أكثر مرونة فى رسم سياساتها التجارية، حيث أبرمت اتفاقيات تجارة حرة مع دول عديدة، من بينها أستراليا ونيوزيلندا، وانضمت إلى الاتفاقية الشاملة للشراكة عبر المحيط الهادئ، وهى خطوة يعتبرها المؤيدون بداية لتحول استراتيجى نحو الأسواق الآسيوية والأمريكية سريعة النمو بدلًا من الاعتماد المفرط على أوروبا.
إلا أن منتقدى هذا الطرح يؤكدون أن الاتفاقيات التجارية الجديدة، رغم أهميتها السياسية، لا تعوض الحجم الضخم للتجارة مع الاتحاد الأوروبي، الذى ظل الشريك التجارى الأكبر للمملكة المتحدة حتى بعد الخروج، فالقرب الجغرافى والتكامل الاقتصادى الذى نشأ على مدى عقود يصعب استبداله بعلاقات تجارية مع أسواق بعيدة جغرافيًا تختلف فى طبيعة الطلب وتكاليف النقل والإجراءات التنظيمية.
وأصبح الاقتصاد البريطانى خلال السنوات الأخيرة يواجه تحديات متداخلة، يصعب أحيانًا الفصل بين ما هو ناتج عن بريكست وما هو مرتبط بعوامل عالمية أخرى، مثل: جائحة كوفيد-19، والحرب فى أوكرانيا، وأزمة الطاقة، وارتفاع معدلات التضخم.
ومع ذلك، تشير تقديرات العديد من المؤسسات الاقتصادية، بما فيها مكتب مسئولية الموازنة البريطاني، إلى أن بريكست سيؤدى على المدى الطويل إلى انخفاض فى الناتج المحلى الإجمالى مقارنة بالسيناريو الذى كانت ستبقى فيه بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي، بسبب انخفاض الإنتاجية والتجارة والاستثمار.
فسياسيًا، حققت بريطانيا استقلالًا واضحًا فى صنع القرار، لكنها فى المقابل لم تستطع الانفصال الكامل عن التأثير الأوروبي، فالعديد من الشركات البريطانية التى ترغب فى تصدير منتجاتها إلى الاتحاد الأوروبى ما زالت مضطرة إلى الالتزام بالمعايير الأوروبية حتى تتمكن من دخول الأسواق الأوروبية.
وبذلك، ورغم خروج بريطانيا من عملية صنع القرار داخل مؤسسات الاتحاد، فإنها لا تزال تتأثر بصورة غير مباشرة بالقواعد التنظيمية الأوروبية، ولكن من دون أن يكون لها دور فى صياغتها كما كان الحال قبل بريكست، ويصف بعض الباحثين هذه الحالة بأنها انتقال من «المشاركة فى وضع القواعد» إلى «الالتزام بالقواعد من الخارج».
كما برزت قضية أيرلندا الشمالية باعتبارها أحد أكثر الملفات تعقيدًا بعد بريكست، فقد أدى السعى إلى تجنب إقامة حدود فعلية بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا إلى اعتماد ترتيبات خاصة أبقت الإقليم مرتبطًا جزئيًا بقواعد السوق الأوروبية، وهو ما أثار خلافات سياسية داخل المملكة المتحدة نفسها، قبل أن يتم التوصل إلى «إطار وندسور» لتخفيف حدة النزاعات المتعلقة بحركة البضائع بين بريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية.
وتحاول حكومة حزب العمال الحالية انتهاج سياسة تقوم على «إعادة ضبط» العلاقات مع الاتحاد الأوروبى دون إعادة فتح ملف العضوية أو العودة إلى السوق الموحدة والاتحاد الجمركي، ويهدف هذا التوجه إلى تعزيز التعاون فى مجالات الدفاع والأمن والطاقة والبحث العلمي، وتخفيف بعض العقبات التجارية، مع الحفاظ على القرار السياسى الذى اتخذه البريطانيون فى استفتاء 2016.
وبعد مرور عقد كامل، يبدو أن الإجابة عن سؤال نجاح بريكست تعتمد إلى حد كبير على زاوية النظر، فإذا كان المعيار هو استعادة الاستقلال القانونى والسياسي، فإن المملكة المتحدة حققت بالفعل جزءًا كبيرًا من الأهداف التى رفعها مؤيدو الخروج، إذ استعادت السيطرة على تشريعاتها وحدودها وسياساتها التجارية، أما إذا كان المعيار هو الأداء الاقتصادى والنمو وجاذبية الاستثمار وسهولة التجارة، فإن الحصيلة تبدو أكثر تعقيدًا، حيث تحمل الاقتصاد البريطانى تكاليف انتقالية وهيكلية لا تزال آثارها مستمرة.
1 بيروت.. انقسام داخلى.. وجدل حول «المناطق التجريبية»
2 تل أبيب.. الجيش لن ينسحب حتى باتفاق مع واشنطن
2 طهران.. كثير من الحذر لمزيد من المكاسب






