أزمة نادر نور تفتح الملف المسكوت عنه ولكـن هل نعيـش أزمـة إبـداع وتجديــــد فى صناعــة الأغنيــة؟!
أعاد الجدل الذى أثاره الملحن نادر نور حول معاناته فى الحصول على فرص عمل، وعدم رد بعض الفنانين على ما يرسله من أعمال، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية داخل صناعة الموسيقى المصرية والعربية.
ولم تتوقف المسألة عند حدود تصريحات نادر نور، بل امتدت لتتحول إلى موجة واسعة من الشكاوى أطلقها شعراء وملحنون شباب أكدوا أنهم يرسلون أعمالهم إلى النجوم دون أن يتلقوا ردًا، وكأن أبواب الصناعة أُغلقت فى وجوههم.
لكن الأزمة الحقيقية ربما لا تكمن فقط فى غياب الرد، بل فى السؤال الأهم: هل كل مَن يطرق الباب يستحق بالفعل أن يُفتح له؟ رامى صبرى قال ما لا نريد سماعه.
ما أشعل الجدل أكثر كان تعليق الفنان رامى صبرى، حين قال إنه لا يجد جديدًا فيما يُرسل إليه، قبل أن يعود ويوضح فى مقطع فيديو أن عدم رده على بعض الأعمال لا يعنى تعاليًا أو تجاهلًا، وإنما لأنه ببساطة لا يرى فيها ما يستحق التقديم.
كانت هذه الكلمات صادمة للبعض، لكنها فى الوقت نفسه طرحت وجهة نظر غائبة عن النقاش. فالفنان ليس موظفًا فى مكتب شكاوى، وليس ملزمًا بتقديم أغنية لمجرد أن أحدهم أرسلها إليه. وفى النهاية، أى مطرب يتحمل مسئولية اختياراته الفنية أمام جمهوره وتاريخه، ومن حقه أن يبحث عما يضيف إليه لا عما يكرر ما قيل آلاف المرات.
بلد المليون شاعر!
بحكم عملى واهتمامى بالموسيقى والأغنية، أتلقى يوميًا عشرات الرسائل عبر فيسبوك وواتساب من شباب يقدمون أنفسهم باعتبارهم شعراء أو ملحنين أو أصحاب مواهب استثنائية تبحث عن فرصة.
وفى كل مرة تقريبًا أبدأ القراءة بحماس، وأغلق الرسالة بإحباط.
مفردات مستهلكة، أفكار مكررة، صور شعرية بدائية، وأحيانًا نصوص لا ترقى أصلًا إلى وصفها بالأغانى. ومع ذلك، يملك أصحابها قناعة راسخة بأنهم ضحايا مؤامرة كبرى، وأن الوسط الفنى يتعمد تجاهلهم.
المشكلة أن الساحة امتلأت بأعداد هائلة من الذين يخلطون بين الرغبة والموهبة، وبين الحلم والاستحقاق. وأصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين الموهوب الحقيقى والموهوم الذى أقنع نفسه بأنه مشروع نجم لمجرد أنه كتب بضعة أسطر على هاتفه المحمول.
إذا كانت هذه هى تجربتى الشخصية المحدودة، فكيف يكون الحال بالنسبة لمطرب مشهور أو ملحن كبير أو موزع ناجح؟
من المؤكد أنهم يتلقون يوميًا أضعاف ما يصلنى من رسائل وأعمال. ومن المؤكد أيضًا أن نسبة كبيرة مما يصلهم لا يحمل جديدًا حقيقيًا، أو يأتى فى صورة أفكار غير مكتملة وأغانٍ لم تنضج بعد.
لذلك يبدو من الطبيعى أحيانًا ألا يأتى الرد، ليس بدافع الغرور، وإنما بسبب حجم ما يُرسل من جهة، وضعف كثير مما يُرسل من جهة أخرى.
نعم.. هناك أزمة حقيقية
لكن هذا لا يعنى إنكار وجود أزمة فعلية.
فالحقيقة أن صناعة الأغنية تفتقد بالفعل إلى بوابات واضحة ومنظمة تستطيع من خلالها المواهب الحقيقية الوصول إلى النور. وهى مشكلة تستحق النقاش والبحث عن حلول.
ومع ذلك، أظل مؤمنًا بأن الموهبة الاستثنائية تمتلك دائمًا قدرة غريبة على فرض نفسها. ولو تأملنا أسماء أبرز الشعراء والملحنين والموزعين الذين يتصدرون المشهد الآن، سنجد أنهم كانوا يومًا ما شبابًا مجهولين يبحثون عن فرصة.
فكيف وصلوا؟
وكيف تحولوا إلى نجوم بينما ظل آخرون فى أماكنهم يرددون الشكوى ذاتها منذ سنوات؟
عندما كانت الطرق أصعب والفرص أقل.
الغريب أن الجيل الذى ظهر فى أواخر التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة واجه ظروفًا أكثر صعوبة بكثير.
لم تكن هناك منصات تواصل اجتماعى. ولم يكن من الممكن إرسال لحن أو أغنية إلى مئات الأشخاص بضغطة زر. ولم يكن لدى أى موهوب صفحة شخصية تعرض إنتاجه على الآلاف وربما الملايين.
كانت الرحلة أطول وأقسى وأكثر تكلفة.
أتذكر ما رواه لى أحد كبار الملحنين الموجودين بقوة على الساحة الآن، حين قال إنه كان يقف لساعات طويلة، وأحيانًا حتى مطلع الفجر، أمام أبواب الاستوديوهات فى انتظار فرصة دقائق معدودة يعرض خلالها لحنًا على مطرب أو موزع شهير.
وفى أغلب المرات كان يعود محبطًا.
لكنه عاد فى اليوم التالى، ثم الذى يليه، حتى وجد أخيرًا مَن استمع إليه وآمن بموهبته.
هذه ليست قصة فردية، بل حكاية عاشها عشرات من شعراء وملحنى ذلك الجيل.
جيل أكثر إصرارًا أم أكثر موهبة؟
هنا يفرض السؤال نفسه.
هل كان جيل الأمس أكثر موهبة؟
أم أكثر إصرارًا؟
أم أن جيل اليوم، رغم امتلاكه كل أدوات النشر والتواصل والترويج المجانى، أصبح أسيرًا لثقافة الاستسهال والنتائج السريعة؟
ربما تكمن المشكلة فى أن بعض الشباب يتوقع النجاح بمجرد إرسال رسالة أو رسالتين، ثم يتحول الإحباط سريعًا إلى اتهامات للوسط الفنى بالظلم والتجاهل.
بينما الحقيقة أن الإبداع كان دائمًا معركة طويلة، وأن الموهبة وحدها لا تكفى دون صبر ومثابرة وقدرة على التطور المستمر.
التكنولوجيا جعلت الطريق أقصر
الأكثر غرابة أن تنفيذ الأغنية نفسها أصبح اليوم أسهل من أى وقت مضى.
فالذكاء الاصطناعى يقدم أدوات تساعد على تطوير الأفكار وصياغتها وتجريبها. وبرامج التسجيل والتوزيع أصبحت متاحة للجميع تقريبًا. والنشر لم يعد يحتاج إلى شركات إنتاج ضخمة كما كان الحال فى السابق.
إذن لماذا ينتظر البعض اتصالًا من مطرب مشهور ليبدأ رحلته؟
ولماذا لا يفكر شاعر شاب فى التعاون مع ملحن من جيله وموزع ناشئ وصوت جديد، ثم يخرجون جميعًا بأغنية تحمل توقيعهم؟
أليست هذه هى الطريقة التى صعد بها كثير من صناع أغانى المهرجانات؟ لقد صنعوا أعمالهم داخل غرفهم وعلى أجهزة بسيطة للغاية، ووصلوا بها إلى ملايين المستمعين، بصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع المستوى الفنى لما قدموه.
اصنع فرصتك بنفسك
الزمن تغير، ومعه تغيرت قواعد اللعبة.
لم يعد الطريق إلى الجمهور يمر بالضرورة عبر مكاتب المنتجين أو هواتف النجوم. أصبح لكل مبدع منصته الخاصة ووسيلته المباشرة للوصول إلى الناس.
ولهذا فإن نصيحتى لكل شاعر أو ملحن شاب هى أن يستغل أدوات العصر إلى أقصى درجة. طور منتجك، واختبره، وأعد صياغته عشرات المرات، ثم قدمه بنفسك.
وإذا لم يرد عليك مطرب مشهور، فابحث عن مطرب شاب يحلم مثلك بالفرصة.
فإن كانت الموهبة حقيقية، ستجد طريقها إلى الناس، وستفرض نفسها على السوق، وربما تفرض أصحابها أيضًا على النجوم الذين تجاهلوهم بالأمس.
أما إذا ظلت الشكوى أعلى من العمل، والصخب أعلى من الإبداع، فربما تكون المشكلة فى مكان آخر غير أبواب الفنانين المغلقة.
وهابيات فى معهد الموسيقى العربية
رامى جمال يتعاون مع عمرو مصطفى
ديزني بلس تحتفي بالهوية العربية عبر عناوين مبتكرة لأشهر أعمالها العالمية







