صدام الفن والمال| حق الأداء العلنى تشريع عادل يُعيد الحقوق إلى أصحابها بين الفنانين والمنتجين

 المخرج عمر عبد العزيز  -  المنتج هشام عبد الخالق -  المستشار ماضى الدقن
المخرج عمر عبد العزيز - المنتج هشام عبد الخالق - المستشار ماضى الدقن


عمر عبد العزيز: الجهاز المصرى للملكية الفكرية وحق الأداء العلنى كان حلمًا

 

قفز ملف حق الأداء العلنى خلال الأيام الماضية من كونه مطلبًا نقابيًا مؤجلًا منذ أكثر من عقدين إلى واجهة المشهد الفنى فى مصر، ليتحول إلى واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل، بعدما فجّر سجالات علنية بين النقابات الفنية وجمعية أبناء فنانى مصر وجمعية مؤلفى الدراما والمبدعين والكوادر الفنية من جهة، وغرفة صناعة السينما والمنتجين من جهة أخرى، فى مواجهة تعكس صراعًا حول إعادة تنظيم العلاقة الاقتصادية بين أطراف الصناعة الفنية داخل السوق المصرى، الأكبر والأوسع انتشارًا فى المنطقة العربية.

ويهدف ملف حق الأداء العلنى إلى توزيع عوائد إعادة استغلال المصنفات الفنية على أصحاب الحقوق من الفنانين والمبدعين والكوادر الفنية، لا سيما فى ظل معاناة كثير من أبناء المهنة من قلة فرص العمل، فضلًا عن ورثة عدد كبير من الفنانين الراحلين الذين رحلوا بعد مسيرة طويلة مقابل أجور متواضعة، ما يجعل حصولهم على تلك الحقوق مصدر دعم مادى يخفف من معاناتهم.

ورغم أن النقابات الفنية ترى فى هذا تطبيق حق الأداء العلنى استحقاقًا قانونيًا وعدالةً طال انتظارها، فإن غرفة صناعة السينما وعددًا من المنتجين أبدوا اعتراضًا واسعًا على تفعيل الملف، معتبرين أنه يمنح الفنانين حقوقًا مالية إضافية رغم حصولهم على أجور مرتفعة عند تنفيذ الأعمال، فى حين يتحمل المنتج وحده مخاطر التمويل والخسائر المحتملة، وهو الطرح الذى يرفضه مؤيدو تطبيق القانون.. وتعود شرارة الجدل الأخيرة إلى مقترح تقدم به الفنان ياسر جلال، عضو مجلس الشيوخ، لتفعيل حق الأداء العلنى استنادًا إلى قانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، الذى ينظم حقوق الملكية الفكرية فى مصر، ويكفل للمبدعين حقوقًا مادية وأدبية، مع استمرار الحقوق المالية للمصنفات لفترة تمتد إلى خمسين عامًا بعد وفاة أصحابها.

وحظى المقترح بموافقة مجلس الشيوخ، بما منحه دفعة تشريعية مهمة. واعتبر ياسر جلال أن القرار يمثل انتصارًا تاريخيًا للفنان المصرى ورسالة دعم واضحة من الدولة لقوتها الناعمة، نافيًا ما تردد بشأن تحميل المنتجين أعباءً مالية جديدة، ومؤكدًا أن المقابل المالى تتحمله الجهات التى تعيد استغلال الأعمال، مثل القنوات الفضائية والمنصات الرقمية ودور العرض، وليس المنتج الذى ينتهى دوره بانتهاء إنتاج العمل.. كما أثار القرار موجة ترحيب واسعة داخل الوسط الفنى، حيث اعتبره الفنانون خطوة طال انتظارها لصون حقوقهم وترسيخ مبادئ العدالة فى الاستفادة من المصنفات الفنية، بما يتماشى مع النظم المطبقة فى العديد من دول العالم.

وفى هذا السياق، أكدت الفنانة إلهام شاهين أن حق الأداء العلنى معمول به فى أغلب دول العالم، مشيرة إلى أن الانتشار الواسع للمنصات الرقمية جعل تطبيقه أكثر إلحاحًا، لضمان حياة كريمة للفنانين بعد ابتعادهم عن الأضواء أو اعتزالهم، موضحة أن تطبيق القانون سيكون بأثر مستقبلى، وأن تحصيل الحقوق سيكون من الجهات المستغلة للأعمال الفنية التى تحقق أرباحًا متواصلة من إعادة عرضها.

بدوره، وصف الفنان مصطفى شعبان القرار بأنه محطة مهمة لترسيخ العدالة فى الاستفادة من المصنفات الفنية، مؤكدًا أنه يمثل خطوة بالغة الأهمية لضمان حصول الفنانين على حقوقهم المالية العادلة، وموجهًا الشكر إلى مجلس الشيوخ ولجنة الثقافة والإعلام والجهات المعنية على إقرار المقترح.

كما حظى تفعيل حق الأداء العلنى بتأييد عدد كبير من الفنانين، من بينهم ميرفت أمين، ومحمود حميدة، وعمرو يوسف، وأحمد حلمى، وباسم سمرة، وهانى رمزى، وغادة عادل، والمخرج خالد جلال، ويوسف الشريف، ومى عمر، ومنى عبد الغنى، وفتحى عبد الوهاب، وآخرون.

وفى المقابل، عقدت غرفة صناعة السينما اجتماعًا طارئًا برئاسة المنتج هشام عبد الخالق، وبمشاركة أكثر من أربعين منتجًا وصاحب شركة إنتاج، بينهم إسعاد يونس، وأحمد السبكي، وجابى خورى، وطارق الجنايني، إلى جانب ممثلين عن قنوات فضائية، وأصدرت بيانًا أكدت فيه أن المنتج هو صاحب الحقوق المالية للمصنف السينمائى والتيلفزيونى باعتباره الطرف الذى يتحمل مخاطر التمويل وتكاليف الإنتاج، معلنة رفضها إلزام المنتجين بعقود نموذجية موحدة، ومحذرة من أن فرض أعباء مالية إضافية قد يفاقم أزمات الصناعة فى ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وأجور النجوم.

من جهته، قال المخرج عمر عبد العزيز، رئيس الاتحاد العام للنقابات الفنية فى مصر لـ «أخبار اليوم»، إنه يشعر بالدهشة من رفض غرفة صناعة السينما والمنتجين لتفعيل حق الأداء العلني، رغم أنه مطبق فى غالبية دول العالم، مشيرًا إلى أن الدولة المصرية أنشأت الجهاز المصرى للملكية الفكرية، برئاسة الدكتور هشام عزمى، وأن هذا التوجه كان حلمًا طالما انتظره العاملون فى الوسط الفنى.

وأوضح أن حق الأداء العلنى لا يرتب أى أعباء مالية على المنتج، وإنما يهدف إلى تحصيل عوائد مالية من الجهات التى تستغل المصنفات الفنية عبر إعادة عرضها داخل مصر وخارجها، مؤكدًا أن هذه العوائد تضمن للفنانين والمبدعين وأسرهم حياة كريمة، خاصة أن كثيرًا من نجوم الأجيال الكلاسيكية كانوا يتقاضون أجورًا متواضعة للغاية، ومن حقهم أو حق ورثتهم الاستفادة من إعادة استغلال أعمالهم، لافتًا إلى أن عددًا من الفنانين رحلوا عن الدنيا وهم يعانون ضائقة مالية، وفق تعبيره.

وأشار عمر عبد العزيز إلى أنه سيتم عقد اجتماع عاجل خلال الأيام المقبلة يضم النقابات الفنية وغرفة صناعة السينما والمنتجين، بهدف مناقشة آليات تطبيق القانون وتصحيح ما وصفه بالمفاهيم الخاطئة العالقة لدى البعض بشأنه، مؤكدًا أن الهدف هو الوصول إلى فهم مشترك للقانون، ومستغربًا فى الوقت ذاته اعتراض بعض المنتجين على حصول الفنانين والمبدعين على حقوقهم القانونية.

وختم حديثه بتوجيه الشكر إلى الفنان ياسر جلال، معتبرًا أنه نجح فى إعادة تحريك ملف حق الأداء العلنى إلى الواجهة، موضحًا أن الاتحاد يعمل على هذا الملف منذ توليه رئاسته عام 2015 بالتعاون مع المستشار ماضى توفيق الدقن، رئيس جمعية أبناء فنانى مصر، مشيرًا إلى أن عددًا من كبار المبدعين الراحلين، وفى مقدمتهم الراحلان يوسف عوف ومحفوظ عبد الرحمن، سعوا سابقًا لإقرار هذا الحق دون أن ينجحوا فى الوصول إلى نتيجة.

من جانبه، قال المستشار ماضى الدقن، نجل الفنان الراحل توفيق الدقن، ورئيس جمعية أبناء فنانى مصر لـ «أخبار اليوم»، إنه يكن كل الاحترام لغرفة صناعة السينما والقامات الموجودة بها، إلا أنها ليست جهة تشريعية تملك منح أو منع تطبيق القوانين، مؤكدًا دعوته إلى فتح حوار مباشر مع الغرفة والمنتجين لشرح آليات تطبيق القانون،

موضحًا أن المنتجين لن يتحملوا أى أعباء مالية، بل سيستفيدون بدورهم من العوائد المرتبطة باستغلال المصنفات الفنية، معتبرًا أن الاعتراضات الحالية تعود إلى وجود التباس فى فهم طبيعة القانون.. وأكد الدقن أن تطبيق حق الأداء العلنى لن يؤثر سلبًا فى صناعة السينما، مستشهدًا بتجارب الدول التى تطبق هذا النظام دون أن يتسبب فى إضعاف صناعاتها الفنية، مشيرًا إلى أن القانون قائم فى مصر منذ عام 2002، ومن ثم فإن تفعيله لا يستحدث تشريعًا جديدًا، وإنما يفعّل نصًا قانونيًا قائمًا.

وشدد على ضرورة توسيع دائرة الحوار بين اتحاد النقابات الفنية وجمعية أبناء فنانى مصر وغرفة صناعة السينما والمنتجين، بعيدًا عن البيانات المتبادلة، مؤكدًا أن القضية ليست معركة بين أطراف الصناعة، وإنما تحتاج إلى التفاهم حول آليات التنفيذ، لافتًا إلى أن القانون سيطبق على الجميع باعتباره تشريعًا صادرًا عن الدولة.