بأمر الأم.. الأبناء تحولوا إلى قتلة

الضحية
الضحية


في بعض من الأحياء الشعبية، تتكرر المشاهد ذاتها يوميًا؛ خلافات بين الجيران تبدأ بصوت مرتفع فوق السلالم، أو بمشادة بسبب المياه أو القمامة أو انسداد «بالوعة صرف صحي»، ثم سرعان ما يتدخل أحد العقلاء لاحتواء الأزمة، ويعود الجميع إلى حياتهم الطبيعية وكأن شيئًا لم يكن.

لكن داخل أحد العقارات بمنطقة صفط اللبن التابعة لدائرة بولاق الدكرور، لم ينتهِ الخلاف هذه المرة عند حدود الكلمات أو الصراخ، بل تحول إلى مأساة دامية وجريمة قتل بشعة، راح ضحيتها شاب عرفه الجميع بحسن الخلق وهدوء الطباع.

خلاف بسيط على «ماسورة صرف» أشعل نيران الغضب داخل قلب الجارة، فاعتبرت جارها الشاب مسئولًا عن انسداد الصرف الصحي بالعقار، وبدأت تلاحقه بالسباب والإهانات، قبل أن تتطور الأزمة إلى تحريض صريح على قتله، لتنتهي الواقعة بمشهد دموي صادم هزّ أهالي المنطقة وأثار حالة من الحزن والغضب بين السكان.

الجريمة كشفت كيف يمكن لمشاحنات يومية عابرة أن تتحول إلى كارثة حقيقية حين تغيب الحكمة، ويُستبدل الحوار بالعنف، وتتحول الكلمات الغاضبة إلى سكاكين تنهي حياة إنسان في لحظات.

الحكاية بدأت عند شاب بسيط.. حياته كلها عمل ورعاية لجدته كما أوصته أمه..،

داخل شارع مسجد الرحمة بمنطقة صفط اللبن، كان الشاب «أحمد عيسى طايع»، البالغ من العمر 36 عامًا، يعيش حياة هادئة وبسيطة، بعيدًا عن المشكلات والصراعات.

عرفه أهالي المنطقة بأنه شاب مكافح، يعمل «حدادًا»، يخرج كل صباح باحثًا عن رزقه، ثم يعود بعد انتهاء يومه إلى منزله المتواضع.

اختار أحمد أن يقيم بجوار جدته المسنة بعدما اشتد عليها المرض وأصبحت بحاجة دائمة إلى من يرعاها ويهتم بها، فلم يتخلَّ عنها يومًا، وظل إلى جوارها حتى وافتها المنية.

وبحسب جيرانه، لم يكن الشاب من هواة افتعال الأزمات أو الدخول في خصومات، بل كان مثالًا للأدب والاحترام، واشتهر بين الجميع بسيرته الطيبة وهدوئه الشديد.

لم يكن أحد يتخيل أن تنتهي حياة هذا الشاب بتلك الطريقة المأساوية، وأن يتحول مدخل العقار الذي عاش فيه سنوات طويلة إلى مسرح لجريمة قتل مروعة، سقط خلالها غارقًا في دمائه وسط صرخات الأهالي ومحاولاتهم لإنقاذه.

في صباح يوم الواقعة، خرج أحمد كعادته متجهًا إلى عمله، يحمل هموم الحياة ويسعى وراء لقمة العيش، دون أن يدرك أن تلك الخطوات ستكون الأخيرة في حياته.

وقبل مغادرته العقار، فوجئ بجارته المقيمة بالطابق العلوي توجه السباب والصراخ اليه، متهمة إياه بأنه السبب في انسداد «بالوعة الصرف الصحي» الخاصة بالعقار، وطالبته بتحمل تكاليف الإصلاح.

كانت كلماتها حادة ومشحونة بالغضب، تتردد أصداؤها في الشارع وسط نظرات المارة والجيران، بينما حاول أحمد تجنب الدخول معها في أي مشادة، واختار الصمت احترامًا لكونها سيدة، مكتفيًا بالانسحاب ومواصلة طريقه إلى عمله.

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.

روايات شهود العيان، أكدت أن الجارة  لحقت  بالمجني عليه حتى مقر عمله الكائن في الشارع نفسه، واستمرت في توجيه الإهانات والاتهامات له أمام الجميع، في مشهد أثار دهشة الموجودين.

وفي محاولة منه لاحتواء الموقف، أمسك أحمد هاتفه واتصل بوالدته ليخبرها بما يتعرض له من إهانات متكررة من جارته.

كانت الأم تسمع عبر الهاتف صوت الجارة المرتفع وهي تسب وتصرخ بعصبية شديدة، فسألته بقلق:

«إيه اللي حصل يا ابني»؟!

فأجابها بصوت حاول أن يبدو هادئًا رغم انكساره: «دي جارتنا اللي ساكنة فوقينا بتزعقلي، وبتتهمني إني السبب في انسداد بالعة الصرف، وأنا مش عايز أرد عليها علشان هي ست وفي مكان عملي».

تهديد  بالقتل

شعرت الأم بالحزن والغضب مما يتعرض له نجلها، فطلبت منه أن يعطي الهاتف لجارته حتى تحاول تهدئة الموقف وإنهاء الأزمة.

وبالفعل، تحدثت الأم مع الجارة بهدوء قائلة: «يا ست حقك عليا.. ما تزعليش نفسك، وأنا بإذن الله هجيلك بكرة بدري وندفع فلوس إصلاح البالوعة، ومش هيبقى فيه أي مشكلة».

لكن الرد جاء صادمًا وقاسيًا فبحسب رواية والدة المجني عليه، رفضت الجارة كل محاولات التهدئة، وقالت لها بنبرة غاضبة وحادة: «لا.. أنا مش هستنى لبكرة.. أنا هقتلهولك النهارده».

كلمات رغم غرابتها بدت وقتها وكأنها مجرد انفعال لحظة غضب، لكن الأم لم تعلم أن تلك العبارة ستكون مقدمة لجريمة قتل حقيقية ستقع بعد ساعات قليلة فقط.

أغلقت الأم الهاتف وهي تشعر بالاستغراب من حجم التهديدات، لكنها لم تتوقع للحظة أن تتحول تلك الكلمات إلى دماء وجثة وصرخات داخل العقار.

مرت ساعات قليلة بعد المكالمة، حاولت خلالها الأم طرد القلق من قلبها، قبل أن يدق هاتفها مجددًا.

نظرت إلى الشاشة لتجد اتصالًا من إحدى الجارات المقيمات بالعقار الذي يعيش فيه نجلها، شعرت بانقباض في قلبها، وكأن إحساس الأمومة سبق الكلمات.

جاءها الصوت مرتبكًا ومذعورًا: «إلحقي ابنك.. مطعون ومرمي قدام مدخل العمارة.. اطلبوا الإسعاف بسرعة»، في تلك اللحظة، تحولت التهديدات التي سمعتها قبل ساعات إلى حقيقة دامية.

فقدت الأم القدرة على التفكير، تحركت بشكل هستيري بين الاتصالات والاستغاثات، تطلب النجدة وتحاول الوصول إلى المكان بأقصى سرعة، بينما صورة ابنها لا تفارق خيالها.

وعندما وصلت، وجدت نجلها غارقًا في دمائه داخل مدخل العقار، وسط حالة من الصدمة والهلع بين الأهالي.

نقل الشاب إلى مستشفى أم المصريين في محاولة لإنقاذ حياته، إلا أن حالته كانت بالغة الخطورة.

كشفت المعاينة الطبية الأولية؛ أن المجني عليه أصيب بطعنات نافذة في القلب والبطن، أدت إلى نزيف داخلي حاد، كما تبين وجود تهتك شديد بالأحشاء نتيجة الاعتداء الوحشي عليه بسلاح أبيض «كاتر».

وأكدت التحريات أن المتهمين انهالوا على الشاب بالضرب والطعن بصورة عنيفة، حتى سقط أرضًا غارقًا في دمائه، بينما أصيب الأهالي بحالة من الذهول من بشاعة المشهد، وفور تلقي البلاغ، انتقل رجال المباحث إلى مكان الواقعة، وبدأت معاينة مسرح الجريمة، ورفع الآثار، والاستماع إلى أقوال شهود العيان من الجيران، أكد عدد من سكان العقار أن المجني عليه كان معروفًا بحسن الخلق والهدوء، ولم تكن تربطه أي عداوات بأحد.

وأضاف شهود العيان؛ أن الخلاف بدأ بسبب انسداد الصرف الصحي بالعقار، بعدما اتهمت الجارة المجني عليه بالتسبب في الأزمة، قبل أن تتطور المشادة إلى اعتداء دموي.

كما أكدت والدة المجني عليه في أقوالها أن الجارة وابنيها تجمعوا حول نجلها وانهالوا عليه ضربًا، قبل أن يستل أحدهما سلاحًا أبيض ويوجه له عدة طعنات نافذة في أنحاء جسده.

وأوضح الشهود أن المتهم لم يكتفِ بطعنة واحدة، بل واصل الاعتداء بصورة وحشية، ما تسبب في تهتك جسد الضحية وخروج بعض أعضائه، قبل أن يتركه غارقًا في دمائه ويفر هاربًا مع شقيقه.

ضبط المتهمين

وعقب تقنين الإجراءات، أعدت قوات المباحث عدة أكمنة محكمة لتتبع خط سير المتهم وشقيقه.

وخلال ساعات قليلة، تمكنت الأجهزة الأمنية من القبض عليهما، تحرر محضر بالواقعة حمل رقم 8910 لسنة 2026 جنح بولاق الدكرور، وأُحيلا إلى النيابة العامة التي باشرت التحقيقات.

ووجهت جهات التحقيق للمتهم وشقيقه تهمة القتل العمد، بعدما حاولا في البداية إنكار الواقعة وتضليل مسار التحقيقات، مدعين أن المجني عليه كان يعاكس شقيقتهما.

إلا أن تلك الادعاءات سقطت أمام شهادات الجيران وتحريات المباحث، التي أكدت حسن سيرة المجني عليه، وعدم وجود أي سلوك مسيئ معروف عنه.

ومع تضييق الخناق عليهما، ومواجهتهما بالأدلة وشهادة الشهود، اعترف المتهم الرئيسي بارتكاب الجريمة.

وقال في اعترافاته: «أنا ماكنتش أقصد أقتله.. كنت عايز أعوره بس.. وأخويا كان معايا، وأنا اللي ضربته بالكاتر»!

وعقب ذلك، أمرت النيابة بحبس المتهم وشقيقه أربعة أيام على ذمة التحقيقات.

الأم

وفي مشهد مؤلم، تحدثت والدة المجني عليه، السيدة «صباح محمد»، البالغة من العمر 53 عامًا، وهي تبكي بحرقة على فقدان نجلها الأكبر، قالت: «أنا عندي خمسة أبناء.. ثلاثة أولاد وبنتين، وأبوهم متوفى، وابني اللي راح ده كان أكبرهم وسندي في الدنيا»، وأضافت أن نجلها كان يقيم بمفرده في صفط اللبن بسبب عمله، وحتى يكون قريبًا من جدته المريضة التي كان يرعاها باستمرار، بينما كانت هي وبقية أبنائها يعيشون في منطقة حدائق الأهرام.

وتابعت الأم المنهارة: «ابني عمره ما كان بتاع مشاكل، بالعكس، كان طول الوقت يبعد عن أي خناقة أو مشكلة، وما يحبش يزعل حد، معقول علشان خلاف على حاجة تافهة يقتلوه بالشكل ده؟! استغلوا إنه عايش لوحده، واجتمعوا عليه وضربوه وطعنوه بكل قسوة لحد ما قتلوه».

وأضافت؛ أن نجلها لم يتخيل أن صمته ومحاولاته لتجنب المشكلات سينتهيان بهذه الصورة المأساوية.

مقارنة مؤلمة

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد تلك المأساة:كيف يمكن لخلاف يومي عابر أن يتحول في لحظات إلى جريمة قتل بشعة تنهي حياة إنسان؟!

يجيب الدكتور علي عبد الراضي استاذ الطب النفسي قائلا: إن المحرك الحقيقي وراء الجريمة لم يكن مجرد خلاف على ماسورة صرف صحي، بل حالة نفسية معقدة من الغل والكراهية والاحتقان الداخلي، انفجرت في لحظة غضب وتحولت إلى جريمة مأساوية أودت بحياة شاب عرفه الجميع بحسن الخلق والاجتهاد.

وأوضح أستاذ الطب النفسي؛ أن الواقعة تمثل نموذجًا واضحًا لما وصفه بـ«سيكولوجية الغل الاجتماعي»، مؤكدًا أن الجارة المتهمة لم تكن ترى المجني عليه خصمًا عاديًا، بل كانت تنظر إليه باعتباره انعكاسًا لفشلها الشخصي والأسري. فالشاب القتيل، بحسب وصفه، كان نموذجًا للشخص المكافح الذي يعمل ويجتهد ويراعي أسرته، وهو ما خلق داخلها شعورًا بالمقارنة المؤلمة بينها وبين أبنائها.

وأضاف؛ أن ما حدث يكشف عن حالة من «عقدة النقص الانعكاسية»، حيث تحولت مشاعر العجز والإحباط المتراكمة لدى المتهمة إلى عداء تجاه شخص ناجح أخلاقيًا واجتماعيًا. وبدلًا من محاولة إصلاح سلوك أبنائها، دفعتها مشاعر الغيرة والاحتقان النفسي إلى تحريضهم على الاعتداء على المجني عليه، في محاولة غير واعية لتحطيم النموذج الذي كان يذكرها يوميًا بإخفاقاتها.

وأكد أن أخطر ما تكشفه الواقعة ليس فقط جريمة القتل، بل الانهيار الأخلاقي والاجتماعي الذي سمح بتحول خلاف بسيط إلى مشهد دموي، مضيفًا أن بعض البيوت أصبحت تعاني من تفكك نفسي وتربوي خطير، ما يجعل العنف وسيلة سهلة لحل النزاعات بدلًا من الحوار والعقل. 

اقرأ  أيضا: الإعدام لسائق والمشدد 15 سنة لزوجته لاتهامهم بقتل جارتهم بالإسكندرية

;